الرئيسية اقتصاد لبنان أخطر من النفط: أزمة أسمدة تهدّد لبنان والعالم بالجوع

أخطر من النفط: أزمة أسمدة تهدّد لبنان والعالم بالجوع

تشغل أزمة الطاقة، دول العالم بوصفها أكبر المخاطر الناجمة عن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، لكن ثمة خطراً أكبر يداهم الدول ويفوق بخطورته إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة. وليس من خطر أكبر من نقص الغذاء أو ربما الجوع.

فالأزمة الصامتة التي تتسلّل إلى مختلف الدول من بوابة خنق سلاسل إمداد الطاقة، هي أزمة الأمن الغذائي القائم على الإنتاج الزراعي، الذي يعتمد بدوره بشكل رئيسي على الأسمدة.

الأسمدة… المادة التي لا تحظى باهتمام المواطن ولا تتصدّر نشرات الأخبار، قد تتحوّل إلى العامل الحاسم بين الأمن الغذائي والجوع، خصوصاً في الدول الأكثر هشاشة، كلبنان الذي يعاني أزمة اقتصادية منذ ما قبل الحرب، ويعتمد في أمنه الغذائي على الاستيراد بما لا يقل عن 85 في المئة من مجمل مواده الاستهلاكية.

ومع تعطّل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغاز، يدخل العالم مرحلة حساسة، حيث لم يعد الخطر نظرياً، بل بات تهديداً مباشراً لإنتاج الغذاء نفسه. فحين تشح الأسمدة، لا تتراجع الزراعة فقط بل يبدأ العدّ التنازلي لأزمة غذاء عالمية قد تمتد لسنوات وتبلغ مستوى المجاعة. أما العلاقة بين أزمة الغاز والأمن الغذائي، فـ”وطيدة”.

أزمة غذاء قبل النفط

اتضح من خلال التماس تداعيات الحرب في الشرق الأوسط أن ثمة محاذير تفوق بخطورتها مسألة سلاسل إمداد النفط والغاز، فقد ثبت أن الأسمدة قد تصيب عصب حياة الملايين حول العالم بشكل مباشر فيما لو استمرت الحرب لأسابيع إضافية.

فالحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران تعطّل اليوم مرور نحو 30 في المئة من الأسمدة المتداولة عالمياً، وهي النسبة التي تمر عبر مضيق هرمز. ولأن نحو نصف الغذاء في العالم تتم زراعته باستخدام الأسمدة، فإن تعطّل إمداداتها تدفع إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول المعرضة للخطر، والدول ذات الاقتصادات الضعيفة، كلبنان على سبيل المثال.

وأدى تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار المنتجات التي تحتوي على النيتروجين مثل اليوريا، وهي أهم منتجات الأسمدة، بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة منذ مطلع آذار الجاري. ويحذر بنك أوف أميركا من أن الحرب تهدّد ما بين 65 و70 في المئة من الإمدادات العالمية من اليوريا.

ووفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) يُعد المنتجون في منطقة الخليج من كبار موردي الأمونيا واليوريا. وقد أدت الحرب حتى الآن إلى فقدان السوق حوالى 400 مليون برميل من الإمدادات؛ أي ما يعادل الإمدادات العالمية في أربعة أيام، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار على نحوٍ هائل.

وعادة ما تعتمد الدول على سلاسل التوريد من دول الخليج، ولا تحتفظ بمخزونات كبيرة من الأسمدة، لاسيما دول مثل الصومال وبنغلادش وكينيا وباكستان، وهو الأمر الذي رفع مخاطر وقوع أزمة غذائية فور تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

بدأت معالم شح الأسمدة تظهر إلى العلن، فقد خلت رفوف المتاجر في الولايات المتحدة الأميركية من منتجات الأسمدة قبل موسم الزراعة الربيعي، الذي يمتد من نيسان إلى أيار المقبلين، وفق وكالات عالمية.

ارتباط الغاز بصناعة الاسمدة

ولا تقتصر أزمة الأمن الغذائي المقبلة على تعطّل إمدادات الأسمدة فحسب، إنما على تعطل تصنيعها في العديد من المصانع، بسبب الحرب. فالأسمدة تُصنع من الغاز الطبيعي، الذي يمثل نحو 70 في المئة من تكلفتها، وهذا ما يعني أنَّ أزمة الغاز التي ضربت العالم بسبب الحرب على إيران استحضرت مباشرة أزمة أسمدة. وهذه الأخيرة ستدفع إلى أزمة غذاء.

وتُعد البحرين وعُمان وقطر والسعودية من المنتجين المهمين لعدد من الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها، مثل اليوريا والأمونيا. ومع تعطل الشحن وارتفاع أسعار الغاز، تصبح الأسواق العالمية أمام ضغط مزدوج: نقص في الإمدادات وارتفاع في التكلفة. فقد ارتفعت أسعار الأسمدة من أقل من 500 دولار للطن إلى أكثر من 700 دولار، بزيادة تقارب 40 في المئة، وهي معرّضة إلى مزيد من الارتفاعات مع استمرار الحرب وتوقف إنتاج الغاز والأسمدة والإمدادات.

وفي الواقع أوقفت قطر أحد أكبر مصانع اليوريا في العالم (اليوريا هي سماد غني بالنيتروجين يُستخدم في الزراعة). ففي الاسبوع الأول من شهر آذار أعلنت مجموعة “قطر للطاقة” وقف إنتاج حزمة من منتجاتها الكيميائية والبتروكيميائية والتحويلية، وضعت في مقدمتها مادة “اليوريا” الحيوية، لتمدد بذلك مفاعيل قرار سابق قضى بإيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال ومنتجاته المصاحبة.

ولا تمثل اليوريا مجرد مركب كيميائي، بل إنها من أكثر أشكال منتجات النيتروجين تداولاّ في التجارة العالمية، وأيُّ اضطراب في استقرار هذه السلعة قد يؤدي إلى رفع فوري في كلفة الزراعة؛ أي إلى قفزات في أسعار الغذاء العالمية.

وكنتيجة طبيعية لحرب تدور في الشرق الأوسط حيث ثقل إنتاج الغاز، تراجع انتاج اليوريا بمصر والهند وبنغلادش وماليزيا وحتى الولايات المتحدة الى الحدود الدنيا. ولأن نصف غذاء العالم يعتمد على الأسمدة فذلك يعني أن نقصها يهدد مباشرة الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي. وهو ما دفع ببرنامج الأغذية العالمي إلى التحذير من أن استمرار الحرب قد يدفع ملايين من البشر إلى الجوع الحاد، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والشحن والوقود.

بالمحصلة، في حال استمرار الحرب لأسابيع أو أشهر إضافية فإن إنتاج الأسمدة سيتراجع أكثر وسترتفع أسعاره أكثر فأكثر.

أين لبنان من أزمة الأسمدة؟

أما في لبنان، فالمخاطر مضاعفة، وأزمة الأسمدة تصيب الأمن الغذائي اللبناني من جهتين، الأولى، أن لبنان يعتمد على استيراد المواد الغذائية الجاهزة لتأمين ما لا يقل عن 85 إلى 90 في المئة من حاجاته الغذائية، ما يجعله عرضة مباشرة لارتفاع الأسعار العالمية، حيث يُتوقع أن يؤدي ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي عالمياً إلى زيادة إضافية في أسعار الغذاء المستورد بنسبة قد تتجاوز 20 إلى 30 في المئة في حال استمرار الحرب.

أما الثانية، فتكمن بكون القطاع الزراعي في لبنان يشكّل ما بين 3 و5 في المئة من الناتج المحلي، ويعتمد على نحوٍ كبير على الأسمدة المستوردة التي ارتفعت أسعارها عالمياً بنحو 40 في المئة. ومع تراجع القدرة الشرائية للمزارعين وانهيار سعر صرف الليرة، تصبح كلفة الإنتاج الزراعي المحلي أعلى بكثير، ما قد يدفع إلى تقلّص المساحات المزروعة أو انخفاض الإنتاج الزراعي اللبناني في بعض المحاصيل.

من هنا، من مُتوقع أن يقف لبنان أمام معادلة خطرة تقوم على غذاء مستورد أكثر كلفة، وإنتاج محلي مهدّد بالتراجع، وهذا ما يضع الأمن الغذائي في دائرة الخطر الفعلي، ويزيد من احتمالات اتساع رقعة الفقر.

مصدرالمدن - عزة الحاج حسن
المادة السابقةمصرف لبنان خلال الحرب: خسائر بقيمة مليار دولار
المقالة القادمةلقمة اللبنانيين تحت النار: جنون الأسعار في زمن الحرب والنزوح