الرئيسية اقتصاد لبنان أرقام الأسبوع: هواجس “الدين الأميركي” تخيّم على الأسواق

أرقام الأسبوع: هواجس “الدين الأميركي” تخيّم على الأسواق

شهدت أسواق المال العالميّة أسبوعاً شديد الاضطراب، إذ تقاطعت المخاوف المتصلة بحجم الدين العام الأميركي، والشكوك بإدارة واشنطن لهذا الملف، مع تداعيات التصعيد المتجدّد في منطقة الخليج، بما فيها احتمالات وسيناريوهات “الحرب الاقتصاديّة” التي يتوعّد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وفي النتيجة، ظهرت آثار هذا الاضطراب على جميع المؤشّرات الماليّة الأساسيّة، من تراجع مؤشّر الدولار الأميركي، إلى ارتفاع أسعار النفط والذهب والفضّة، وصولاً إلى تأرجح عوائد سندات الخزانة الأميركيّة. وبذلك، كانت الأسواق محكومة هذا الأسبوع بتراجع الثقة بقدرة واشنطن على ضبط جبهتين حسّاستين في وقتٍ واحد: جبهة الدين الداخلي، وجبهة المواجهة مع إيران.

اضطراب أسواق السندات

خلال هذا الأسبوع، وتحديداً خلال يوم الثلاثاء الماضي، تجاوز الدين الحكومي الأميركي عتبة الـ40 تريليون دولار أميركي، للمرّة الأولى على الإطلاق. وبهذا الشكل، ارتفع حجم هذا الدين إلى أكثر من الضعف، مقارنة بنحو 19.95 تريليون دولار أميركي، عند بدء ولاية ترامب الأولى، في كانون الثاني 2017.

كما أظهرت الأرقام أنّ صافي مدفوعات الفائدة على هذا الدين ارتفع خلال أوّل 10 أشهر من هذه السنة الماليّة بنسبة 14 بالمئة، لتبلغ 963 مليار دولار أميركي، وهو ما يتجاوز الإنفاق العسكري لوزارة الدفاع الأميركية، الذي يبلغ 763 مليار دولار أميركي. وجميع هذه الأرقام، أكّدت التحذيرات السابقة لمكتب المحاسبة في الحكومة الأميركية، الذي أشار إلى أنّ “الماليّة العامّة تذهب باتجاه غير قابل للاستمرار”.

مع بداية هذا الأسبوع، كان عائد سندات الخزانة الأميركيّة (لأجل 10 سنوات) قد لامس أعلى مستوى له في 20 شهراً، ليبلغ 4.75 بالمئة. وهذا ما أشّر إلى مخاوف الأسواق، ومطالبة المستثمرين بعوائد مرتفعة مقابل الاحتفاظ بسندات الخزانة الأميركيّة. ومن المعلوم أن هذا العائد يتحدّد بالقيمة السوقيّة الراهنة للسندات، مقارنةً بقيمتها الإسميّة التي ستُسدّد عند الاستحقاق، وهو ما يعبّر عن مستوى المخاطر التي ترصدها السوق، التي تؤثّر على الأسعار الحاليّة. إذ كلما ارتفع حجم هذه المخاطر، انخفضت القيمة السوقيّة للسندات، ما يرفع الفارق ما بين سعرها الحالي وسعر السداد عند الاستحقاق، أي العائد الذي يحصل عليه المستثمر عبر الاحتفاظ بالسند.

يوم الأربعاء الماضي، ولتهدئة مخاوف الأسواق، أعلنت وزارة الخزانة الأميركيّة اتجاهها لزيادة حجم عمليّات إعادة شراء سندات الدين الطويلة الأجل، لخفض كلفة الفوائد المترتبة على الحكومة الأميركيّة. وبعد هذا الإعلان، هبطت عوائد السندات بشكلٍ مؤقّت، إلى حدود 4.64 بالمئة، قبل أن تعود، وترتفع إلى مستوى 4.71 بالمئة من جديد. وبهذا الشكل، قرأت الأسواق قرار وزارة الخزانة كمسكّن مؤقّت، وربما كعلامة ضعف، لا كعلاج فعلي لأزمة الدين العام المتصاعد.

أسواق العملات والمعادن والنفط

ظهرت نتائج هذا القلق المتصاعد على الدولار الأميركي وقيمته في السوق. إذ سجّل مؤشّر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركيّة مقابل سلّة من العملات الرئيسيّة، تراجعاً أسبوعياً بنسبة 1 بالمئة، ليُقفل عند مستوى 98.8 نقطة يوم أمس الجمعة. وبهذا الشكل، لم يؤد إعلان وزارة الخزانة الأميركي إلى بعث الطمأنينة في الأسواق، بل أدّى إلى النتيجة المعاكسة تماماً. إذ وجد المستثمرون في هذه الخطوة إشارة مقلقة، لا إشارة قوّة أو ضبط مالي.

في المقابل، استفادت العملات الرئيسيّة الأخرى من هذا الضعف. إذ ارتفعت قيمة اليورو مقابل الدولار إلى مستوى 1.1679، ليسجّل مكاسب بنسبة 2.3 بالمئة خلال الشهر الأخير. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بتحسّن مؤشّرات النشاط الصناعي في ألمانيا، وتراجع توقعات التضخّم في منطقة اليورو. أمّا الين الياباني، فشهد تحسّناً لافتاً أيضاً، لتبلغ قيمة الدولار مقابله حدود 158.6 ين. ويعود هذا الأداء الإيجابي للين إلى تسارع التضخّم في اليابان خلال الفترة الماضية، ما عزّز الرهانات على رفع البنك المركزي الياباني لمستوى الفائدة في اجتماعه المقبل في شهر أيلول. وهذا ما سيزيد بدوره من جاذبيّة الين مقابل الدولار.

أمّا في سوق المعادن الثمينة، فكان الذهب المستفيد الأكبر من المناخات القلقة. إذ بلغ سعر الأونصة في ختام الأسبوع نحو 4,588 دولاراً أميركياً، ما عكس زيادة بنسبة تقارب 5 بالمئة. وسارت الفضّة باتجاه مماثل، حيث ارتفع سعر الأونصة إلى حدود 68 دولاراً أميركياً، بمكاسب أسبوعيّة قاربت 5 بالمئة أيضاً. وبشكل عام، نتج صعود الذهب والفضّة عن ثلاثة عوامل متزامنة: ضعف الدولار الذي يرفع جاذبيّة المعادن الثمينة، وتذبذب عوائد السندات الذي يدفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، وتزايد المخاوف المتصلة باستدامة الدين العام الأميركي.

أخيراً، شهدت أسواق النفط ديناميكيّات مختلفة، إذ لم يكن الدين الأميركي المحرّك الأساسي هنا. فبفعل التصعيد الأميركي تجاه إيران، أقفل خام برنت الأسبوع عند مستوى 93.6 دولار للبرميل، ليسجّل مكاسب أسبوعيّة بنسبة تقارب 6 بالمئة. وجاء هذا الارتفاع على خلفيّة التصريحات المتتالية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي توعّد فيها بفرض “أقسى عقوبات في التاريخ” على طهران، ضمن ما وصفه ترامب بـ”عمليّة اقتصاديّة” واسعة النطاق. وهذا ما أكّد أنّ التصعيد القائم في منطقة الخليج لم يحسم بعد صورته النهائيّة، ما رفع حساسيّة الأسواق تجاه أي اضطراب إضافي في أسواق النفط.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةسباق البنوك المركزية على الذهب يتسارع في 2026
المقالة القادمة16 عاماً من العتمة.. وزراء الطاقة يتنافسون على “اللا كهرباء”