أزمة النقل: انهيار منذ 25 سنة

0

أزمة النقل في لبنان هي نتيجة حتمية لعدّة عوامل مركّبة. فمن ناحية، كان النموذج الاقتصادي اللبناني أحد مصادر الأزمة في هذا القطاع من خلال تركيز النشاط الاقتصادي والدخل والثروة في بيروت الكبرى (تضم العاصمة بيروت وبعض مناطق جبل لبنان) التي تشهد ازدحاماً يعيق حركة التنقل في معظم أحيائها وخطوطها الرئيسية. ومن صلب هذا النموذج أيضاً، كان هناك انعدام للاستثمار الحكومي في النقل العام المشترك (باصات الدولة)، فضلاً عن إهمال تنظيم النقل الخاص المشترك (باصات وفانات القطاع الخاص والسرفيس). ثم أتت السياسة النقدية لتهيمن على بنية النموذج الاقتصادي وتحفّز الاستهلاك بدلاً من الإنتاج وتروّج لمبيعات السيارات الخاصة… لو أنه جرى الاستثمار في هذا القطاع وتأمّن النقل المشترك (الخاص والعام) فإن أكلافاً كبيرة كان يمكن توفيرها على الاقتصاد من استيراد السيارات والوقود وصولاً إلى تقليص أعباء انتقال الأفراد ونقل البضائع خلال «الانهيار الكبير»

قطاع النقل هو عنصر مهم جداً في الاقتصاد. وذلك ليس في لبنان فقط، بل على مستوى السياسات الاقتصادية والتنموية في العالم. هو جزء أساسي من كل عوامل الإنتاج. بدءاً من العامل/الموظّف الذي يحتاج إلى استخدام النقل ليصل إلى عمله، ثم نقل المواد الأولية المطلوبة لكل حركة الإنتاج في المعامل والمصانع والزراعة إذ لن تصل إلى مكان الإنتاج، ولا يمكن نقل السلع النهائية إلى أسواق الاستهلاك… ثمة الكثير من الحاجات والأسباب التي تجعل النقل قطاعاً محورياً في الاقتصاد. لكن رغم ذلك، أُهمل هذا القطاع في لبنان بشكل لا مثيل له. وجزء من هذا الإهمال صبّ في مصلحة أصحاب شركات النقل الخاصّة، والجزء الآخر صبّ في مصلحة الشركات المستوردة للسيّارات وشركات استيراد الوقود التي استفادت من الاستهلاك المضخّم للبنزين بسبب تضخّم أسطول السيارات الموجود في البلد.

تركّز الاقتصاد

إحدى المشكلات الأساسيّة لقطاع النقل في لبنان هي تركّز الاقتصاد في بيروت الكبرى. هذه مشكلة عمرها من عمر الكيان اللبناني الذي أعطى مرفأ بيروت دوراً أساسياً في اقتصاد يعتمد على التجارة بنسبة وازنة. لذا، كان طبيعياً أن تتركّز الحركة الاقتصادية في بيروت، أي قريباً من المرفأ الذي تتمحور حوله الحركة. وبالمثل، انسجمت حركة السكن مع التركّز في النشاط الاقتصادي، لتأمين العمالة اللازمة لهذا الاقتصاد. هكذا، تركّزت معظم حركة النقل داخل مدينة بيروت وضواحيها. ومع اتّساع مساحة الضواحي وامتدادها الكبير، ازدادت المساحة الجغرافية للتركّز في النشاط الاقتصادي وفي حركة النقل المواكبة له. وبات يتنقل عدد هائل من الأطراف إلى المدينة، ما ضغط على البنية التحتية وعطّل قدراتها الاستيعابية وخلق ذلك مشكلات سير كبيرة كبّدت الاقتصاد خسائر هائلة. عملياً، إن أي خطة كبرى لا بد لها، على المدى البعيد، أن تعالج تركّز حركة النقل في مساحة صغيرة كبيروت. بمعنى أنه، في نظرة مثالية، لا بد لأيّ حل مطلوب لقطاع النقل أن يبدأ من خلال إعادة توزيع الحركة الاقتصادية على المناطق اللبنانية. لكنّ هذا الأمر يحتاج إلى خطط اقتصادية على المديين المتوسط والطويل.

 

 

أما التوظيف الخاطئ للاستثمارات، فقد بدأ مع مرحلة التسعينيات حين جرى التركيز على سياسات إعادة إعمار ما دمّرته الحرب الأهلية وجرى تخصيص النسبة الوازنة من هذه الاستثمارات لتوسيع الطرقات المؤدية من وإلى وسط بيروت. كما أن معظم الاستثمار كان يذهب لصيانة الطرقات الموجودة. عملياً، هذا الأمر هو خسارة صافية. فالاستثمار في توسيع الطرقات يتجاوز كلفة الاستثمار في تحسين النقل العام والمشترك بأشواط، إذ إن العمل على توسيع الطرقات من دون العمل على تخفيف حركة السّير، يعني أن حركة السّير ستبقى في نموّ غير محدود وغير منظّم. بمعنى أدقّ، إن نمو حركة النقل بشكل غير منضبط يعني أن توسيع الطرقات سيكون حاجة دورية ودائمة، وعكس ذلك ستصبح الطرقات غير قادرة على استيعاب الحركة. وهذا بالفعل ما حدث مثلاً في شبكة الطرقات التي تؤدي من وإلى وبيروت، حيث تخطّت حركة النقل على هذه الطرقات القدرة الاستيعابيّة، ما أدّى إلى خلل في شبكات النقل يظهر يومياً على شكل ازدحامات في حركة السير على مداخل العاصمة وداخلها. إضافة إلى أن العمل على توسيع الطرقات من دون تنظيم ونمو حركة النقل، يعني أن الطرقات ستُستهلك بشكل أكبر، ما يؤدي إلى الحاجة إلى الصيانة بشكل أكبر وأكثف، أي ستكون هناك كلفة كبرى. والمقصود هنا بتنظيم نموّ حركة النقل هو التأكّد بأن نموّها لا يكون عبر الزيادة الهائلة في عدد السيارات التي تستخدم شبكات الطرقات، بل الحد من ذلك عبر تحفيز وسائل النقل الأكثر فعّالية (أي النقل المشترك).

ملء الفراغ
في ظل غياب القطاع العام، ولا سيما في مرحلة ما بعد الحرب الأهليّة، وُلد فراغ في قطاع النقل يفترض تغطيته. لكنّ شكل النموذج الاقتصادي في لبنان القائم على شراكات سياسية – مالية، أتاح لشركات القطاع الخاص الاستحواذ على الحصّة السوقيّة الكاملة من دون أي تنافس، ولو ظاهرياً، للنقل الرسمي كطرف منافس يضبط الإيقاع. وباستثناء فترات زمنية قصيرة جداً، لم يكن هناك أي تنافس على الإطلاق في القطاع. بل على العكس، كان هناك نموّ متسارع في أعداد السيارات الخاصّة في ظل قدرات شرائية مدعومة بسعر صرف ثابت. لم يحدث الأمر ضربة واحدة، بل انطلق في مطلع التسعينيات حين جرى تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار ابتداءً من عام 1997، ما أدّى إلى تضخيم القدرات الاستهلاكية للمقيمين في لبنان، ثم تحفّز الأمر بالقروض المدعومة التي بلغت في مطلع 2019 (عشية الانهيار) نحو مليار دولار لتمويل 73 ألف سيارة. ساعدت هذه القروض على تعميم اقتناء السيارة، وهي عمليّة مكلفة فعلياً لجهة الاستثمار في شراء السيارة أو لجهة الأكلاف التشغيلية من وقود وصيانة وغيرهما، فضلاً عن أن كلفة استهلاك السيّارة مرتفعة نسبياً لأن حياتها الافتراضيّة قصيرة نسبة إلى كلفتها الرأسمالية، كما أن قيمتها بعد الاستعمال تتدنّى بشكل كبير.
هكذا استطاع عدد أكبر من أفراد المجتمع اقتناء سيارات خاصّة للتنقّل. ومع غياب قطاع نقل عام ومشترك مشجّع للمستهلك، سُهّلت عملية اتخاذ قرار الاتجاه نحو اقتناء السيارات الخاصّة كوسيلة للتنقّل. ومع مرور الوقت ازداد الميل نحو السيارات الخاصّة، وقد توضّح هذا الأمر من خلال تزايد أعداد السيارات بشكل مطّرد منذ التسعينيات حتى اليوم. نتيجة هذه العوامل كلها، ازداد عدد السيارات في لبنان بشكل كبير، حتى بلغ أخيراً نحو 274 سيارة لكل ألف شخص، وهو رقم يُمكن أن يقارن ببعض أغنى الدول الأوروبيّة. ومع تركّز حركة السكّان في بيروت الكبرى بشكل كبير، أدّى هذا الأمر إلى ازدياد ازدحامات السّير التي تعتبر المظهر الأوضح لعدم فعاليّة أي نظام نقل. وقد ساعد على ذلك عاملان مهمان هما: تركّز الحركة الاقتصادية في العاصمة والانحياز المتراكم لاستخدام السيارات الخاصّة.
خسائر اقتصاديّة
الخلل في قطاع النقل يعني خسائر اقتصادية كبيرة، من أبرزها الوقت الضائع على الطرقات، وهو أمر ليس محصوراً بالأشخاص بل يشمل البضائع والمواد الأوليّة أيضاً. فالأوقات الضائعة تعني خسائر اقتصادية محتمة، فعلى سبيل المثال، إذا كان معدّل الوقت الضائع لكل عامل على الطريق يومياً هو نصف ساعة، هذا يعني أن الاقتصاد يخسر 400 ألف ساعة عمل يومياً (فرضاً أن عدد العمّال هو 800 ألف)، فإن هذه الخسائر ستؤثّر سلباً على الإنتاجية وعلى جدوى الاقتصاد، إذ تصبح القيمة التي يخلقها الاقتصاد أقل، نسبة إلى القيمة التي يجب أن ينتجها مع المُدخلات على عملية الإنتاج. وهذا الأمر ينطبق على الوقت الضائع في نقل السلع والمواد الأوليّة وغيرها. وإنّ تراكم هذه الخسائر يعني تعاظمها لتكون أكبر وأكبر في الاقتصاد.

من ناحية أخرى، تُعدّ الفعّاليّة المنخفضة في نظام النقل، مسبّبةً لخسائر مباشرة على الاقتصاد، بمعنى خسائر نقدية في ميزان المدفوعات. فالاعتماد على وسائل نقل غير فعّالة، مثل السيارات الخاصّة، يعني أكلاف تشغيل أكبر. فعلى سبيل المثال، تشغيل 10 سيارات يحتاج إلى وقود أكثر بكثير من تشغيل باص واحد يحمل 10 أشخاص. هذا الأمر يكلّف لبنان فاتورة سنوية هائلة من استيراد البنزين والمازوت والزيوت وغيرها، وهي فاتورة تتجاوز الـ4 مليارات دولار سنوياً (ما يمثّل نحو 40% من إجمالي فاتورة الاستيراد). كما يُرتب على الاقتصاد، وجود عبء على ميزان المدفوعات، بسبب الحاجة إلى قطع الغيار وأكلاف صيانة السيارات.

إن عدم توفّر بدائل لوسائل النقل التي اعتاد عليها المستهلك اللبناني، يشكّل عقدة كبيرة، إذ إن نظام النقل الحالي، لا يسمح بوجود نقل بأسعار معقولة، مع الأخذ في الحسبان تراجع قيمة المداخيل اللبنانية. وهذا الأمر يظهر بشكل واضح عند موظفي القطاع العام الذين بقيت أجورهم من دون تغيّر منذ ما قبل الأزمة. هؤلاء يعيشون حالة فريدة، بحيث لا تتخطّى أجورهم كلفة انتقالهم من وإلى أماكن العمل، ما دفع الدولة إلى خفض أيام العمل الأسبوعيّة في الوزارات والمؤسسات، مع ما يعنيه ذلك من خسائر اقتصادية تترتّب على تأخير المعاملات وغيرها من الأمور البيروقراطية التي تقدّمها الدولة، والتي ينعكس تأخيرها خسائر مباشرة على الشركات والمؤسسات.

المصادر:
– ورقة بحثية تحت عنوان
«The Public Land Transport Sector in Lebanon»
– حلقة نقاش عقدها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق شارك فيها
د. قاسم رحال، المهندس إيلي الحلو،
ود. علي الزين

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here