أزمة الودائع في لبنان أمام اختبار توزيع الخسائر

تعود أزمة الودائع في لبنان إلى واجهة النقاش العام مع اشتداد الضغوط الداخلية والخارجية لإيجاد مخرج عادل ومستدام لأحد أعقد الانهيارات المالية في التاريخ الحديث.

وبعد سنوات من تجميد أموال المودعين وتآكل قيمتها بفعل التضخم وانهيار العملة، يقف لبنان اليوم أمام اختبار حاسم لتوزيع الخسائر بين الدولة والبنوك ومصرف لبنان المركزي والمودعين أنفسهم.

وهذا الاختبار لا يحدد فقط مصير مليارات الدولارات من الودائع، بل يرسم أيضًا ملامح الثقة المفقودة بالنظام المصرفي، ويكشف مدى قدرة السلطة السياسية والمالية على تحمّل المسؤولية واتخاذ قرارات مؤلمة لكنها ضرورية لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد.

وفي محاولة لكسر جمود ملف الودائع والخسائر المصرفية في لبنان، طرحت الحكومة مشروع قانون لمعالجة الفجوة المالية.

ويهدف التشريع المقترح إلى إعادة تنظيم توزيع الخسائر واستعادة الثقة المفقودة بالنظام المالي، وسط اعتراضات مصرفية وتحفظات سياسية تعكس تعقيدات المشهد وتشابك المصالح السياسية وداخل القطاع المصرفي.

وأقرت الحكومة أواخر 2025، المشروع الذي يعرف باسم “قانون معالجة الفجوة المالية”، لإعادة هيكلة عبء الديون، إذ يحدد آلية لتقاسم الخسائر، بعد الانهيار غير المسبوق الذي أصاب القطاع المالي عام 2019.

كما يهدف إلى معالجة العجز الكبير في تمويل النظام المالي، وإتاحة المجال أمام المودعين الذين جُمّدت ودائعهم لاستعادة أموالهم بشكل تدريجي.

ويتماهى مشروع القانون المقترح مع رؤية وشروط صندوق النقد الدولي، لحل الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019. وقال رئيس الوزراء نواف سلام، الجمعة، إن “المشروع يتوافق مع معايير الصندوق ومن شأنه أن يسهم في استعادة الثقة بالنظام المالي.”

ومن المقرر إحالة المشروع إلى البرلمان، حيث يظل إقراره رهين توافق داخل مجلس نيابي يشهد انقسامات حادة.

وردا على مشروع القانون أصدرت جمعية المصارف بيانا أعربت فيه عن تحفظها الجوهري ومعارضتها الشديدة له، معتبرة أن أحكامه وإجراءاته تشكّل “مساسا غير مبرر وغير مقبول بحقوق المصارف والمودعين”.

ورأت الجمعية أن التدابير والحلول المقترحة “لا تراعي القدرات الفعلية للمصارف على الإيفاء بالتزاماتها تجاه المودعين”.

ورفضت وضع البنوك في مواجهة مباشرة مع المودعين، في ظل ما وصفته بـ”تهرّب الدولة من الوفاء بديونها المستحقة تجاه مصرف لبنان وامتناعها عن تغطية العجز في ميزانيته”.

ولفتت إلى أن “موجودات مصرف لبنان تتجاوز 70 مليار دولار”، معتبرة أن تسييل جزء محدود منها لا يتجاوز 10 مليارات دولار قد يسمح بتسديد كامل ودائع صغار المودعين فورا، بدل تحميل الخسائر “التي تسببت بها الدولة ومصرف لبنان” للبنوك والمودعين.

وشددت على أن أي تعافٍ اقتصادي مستدام أو إعادة هيكلة فعالة للقطاع المصرفي تبقى مشروطة بإعادة بناء الثقة بالنظام المالي وبالدولة كطرف ملتزم بالقوانين وتعاقداته المالية.

وقال عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في لبنان أنيس بو دياب، إن مشروع قانون “الانتظام المالي واستعادة الودائع” يشكل خارطة طريق لمعالجة الأزمة المصرفية التي تشهدها البلاد منذ عام 2019.

جمعية المصارف أعربت عن معارضتها الشديدة للقانون كون أحكامه وإجراءاته تشكّل مساسا غير مبرر وغير مقبول بحقوق المصارف والمودعين

وأوضح بو دياب للأناضول أن لبنان لا يزال يعاني من تداعيات الأزمة المالية، حيث جرى احتجاز الودائع ولا يُفرج عنها إلا بموجب تعليمات المركزي وبمبالغ محدودة، مشيرا إلى أن القانون يهدف إلى إعادة الانتظام المالي واسترداد الودائع عبر مراحل واضحة.

وبيّن أن القانون يقسم إلى أربع مراحل أساسية، تبدأ بإعادة تقييم أصول البنوك التجارية والمركزي، للكشف عن الفجوة المالية بين الموجودات والمطلوبات، والتي تُعد عنصرا أساسيا لتأمين السيولة اللازمة لإعادة الودائع.

وينص المشروع على استعادة الودائع التي تبلغ 100 ألف دولار أو أقل خلال فترة تمتد إلى أربع سنوات، لجميع المودعين، فيما يتم تحويل المبالغ التي تفوق هذا السقف إلى سندات تمتد آجالها بين 10 و20 عاما، مع حسم سنوي بنسبة اثنين في المئة من قيمتها بعد السنة الرابعة.

وأشار بو دياب إلى أن القانون يتضمن آلية لتقييم أصول البنوك التجارية وفق معايير بازل 2، في إشارة إلى اتفاقية دولية صادرة عن لجنة بازل للرقابة المصرفية، تضع معايير دولية لمتطلبات رأس المال المصرفي.

وأوضح أن المشروع يتضمن أيضا بنودا تتعلق بتمييز الأموال المشروعة من غير المشروعة، ما يدخل في الإطار القانوني لتحديد حقوق المودعين، فضلًا عن نصوص مرتبطة بالتدقيق الجنائي في حسابات البنوك.

وثمة اعتراضات واسعة على مشروع القانون الذي يسعى إلى إعادة الثقة بالقطاع المصرفي بشكل تراكمي، من خلال “إعادة الرسملة” واحتمال دمج بعض البنوك.

ويأتي المشروع مكمّلا لقانون رفع السرية المصرفية الذي أُقر في مارس 2025، وقانون إعادة هيكلة وتنظيم القطاع المصرفي الذي أُقر في أغسطس من العام نفسه، وفق بو دياب.

وقال بو دياب “بات القانون في عهدة لجنة المال والموازنة في البرلمان، داعيا إلى دراسته وتحسينه وتحصينه، إذ لا يمكن للاقتصاد اللبناني أن يستمر دون قطاع مصرفي فاعل.”

ويكتسب إقراره أهمية إضافية كونه يفتح الباب أمام محاسبة مرتكبي وقائع الفساد، ويحمي أصول مصرف لبنان، ولا سيما احتياطي الذهب، الذي يمكن أن يشكل أداة مستقبلية لدعم الاقتصاد المنهك.

ويرى المحلل الاقتصادي باسل الخطيب أن مشروع القانون يسهم في تدمير القطاع المصرفي وإفقار اللبنانيين، معتبرا أنه يظلم المودعين ولا يحاسب الجهة التي تسببت في هذا الدمار، خصوصاً أنه لم يتم تحديد المسؤوليات عما آلت اليه الأمور.

وقال للأناضول إن “الوصول إلى حل عادل لأزمة الودائع في لبنان، يتطلّب البدء بتحديد مسؤولية الجهات التي ساهمت في فرض هذا الواقع.”

ووضع الخطيب الدولة على رأس تلك الجهات، إذ تمادت في الاستدانة لتغطية عجزها السنوي من المركزي والبنوك والمودعين والمستثمرين، ثم مصرف لبنان الذي أدار سياسات تسببت بخسائر وصلت إلى حدود 50 مليار دولار.

ووفقا له، تأتي المصارف ثالثا بعدما طمعت بالفوائد التي حصلت عليها من مصرف لبنان، واستفادت من سياساته المالية، وتثبيت سعر الصرف وعدم الالتزام بـ”مقررات بازل”، وأخيرا المودعون الذين أغرتهم الفوائد المرتفعة.

وأكد أن توزيع الخسائر يجب أن يتناسب مع حجم مسؤولية كل جهة. وقال إن “الحلّ يبدأ من الدولة، وهي المدين الأكبر، وعليها وضع خطط إصلاحية، وطمأنة المودعين، وتأمين سيولة كافية وفورية، لضخها في شرايين المصارف اللبنانية والاقتصاد اللبناني”.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةصراع ترمب مع «الفيدرالي» يضع الاقتصاد العالمي في مرمى النيران
المقالة القادمة“لقمة وطن”.. لبنانيون يكتشفون أنهم “يأكلون الصراصير”