في الوقت الذي أطلقت فيه وزارة الاقتصاد والتجارة حملة “سوا بالصيام” الهادفة إلى خفض أسعار 21 سلعة من المواد الغذائية الأساسية خلال شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير، بدأت أسعار اللحوم تشهد ارتفاعاً تدريجياً في الأسواق، في مشهد يعكس سباقاً واضحاً بين آليات الرقابة التي تسعى الوزارة إلى تطبيقها، وبين الأسعار التي يفرضها تجار اللحوم ومستورديها.
مطلع شهر رمضان، بدأ الجزارون في رفع أسعار اللحوم، بنحو دولار واحد في الكيلوغرام، وفق ما تؤكده منى شبارو (موظفة وأم لثلاثة أطفال). تقول لـ”المدن”: قبل البدء بالصيام، ارتفع سعر الكيلوغرام من اللحم البقر من 16 دولاراً إلى 17 دولاراً، خلال أيام من دون توضيح أو معرفة الأسباب”. وتضيف” يعتمد الصائم بشكل كبير على اللحوم والدواجن، كوجبة أساسية، لكن منطق الأسعار، يضغط على الأسر على نحوٍ كبير”.
ارتفاع مؤكد
ولا ينفي رئيس النقابة اللبنانية لمستوردي اللحوم والدواجن غبريال دكرمنجيان لـِ “المدن” ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، مرجحاً ان تكون الزيادة ما بين 10 إلى 20 في المئة. ويعزو سبب الارتفاع في أسعار اللحوم خلال الفترة المقبلة لأسباب خارجية لا ترتبط مباشرة بالسوق اللبناني. يقول “تسجل الأسعار العالمية للحوم زيادات لافتة وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على لبنان الذي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتأمين حاجاته”.
ويضيف “تشير بيانات تتبّع الأسعار منذ نهاية العام الماضي إلى اتجاه تصاعدي واضح نتيجة تراجع المعروض عالمياً مقابل ارتفاع الطلب، وهو ما ينعكس مباشرة على كلفة الاستيراد المحلية. كما تساهم الاضطرابات الجيوسياسية في زيادة تكاليف الشحن والنقل، ما يضيف أعباء إضافية على الأسعار النهائية”. أما فيما يتعلق بالإنتاج الحيواني المحلي، يشير دكرمنجيان إلى أنه لا يمكن الحديث عن الإنتاج الحيواني المحلي كجزء من السلة الغذائية للبنانيين، إذ لا يكفي عدد الماشية في لبنان لتلبية الطلب المحلي.
ويعتمد لبنان على استيراد اللحوم بشكل أساسي، فالإنتاج المحلي للحوم البقر لا يتخطى 47.9 ألف طن من لحوم الأبقار، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة، وبحسب البيانات، فقد بلغ إجمالي واردات لبنان من اللحوم الصالحة للأكل ومخلفاتها نحو 174.88مليون دولار عام 2024، كما تبين بإن لبنان استورد نحو 7.99مليون كغ من لحوم البقر المجمدة عام 2024 من دول مثل الهند والبرازيل وأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين.
الأسعار الجديدة
وفي جولة على عدد من الأسواق اللبنانية، وبعد متابعة مؤشر الأسعار الخاص بوزارة الاقتصاد، يتراوح سعر الكيلوغرام من اللحم البقر، ما بين 14 و16 دولاراً، بحسب النوعية، وتسعيرة الجزار نفسه، فيما يصل سعر كيلوغرام اللحم الغنم إلى 23 دولاراً، وبالتالي مع تطبيق الزيادة ما بين 10 و20 في المئة، ستصبح الأسعار، تتراوح ما بين 15 و17 دولاراً في حال زادت 10 في المئة، وبعد زيادة 20 في المئة، قد تصل إلى 19 دولارا. أما سعر اللحم الغنم، وبعد زيادة 10 في المئة، فقد يصل إلى 25 دولاراً، و27 دولارا مع زيادة 20 في المئة.
ويعني ذلك، بشكل أساسي، أن كلفة وجبة إفطار أساسية تتضمن اللحوم قد تستهلك وحدها ما يقارب من 7 في المئة من الدخل الشهري، في بلد يتراوح فيه الحد الأدنى للأجور 300 و400 دولاراً شهرياً، ما يعكس حجم الضغط المعيشي المتزايد ويجعل تأمين الغذاء عبئا ثقيلاً.
صحيح أن وزارة الاقتصاد ومن خلال مبادرتها وضعت قائمة بضبط أسعار 21 سعلة في المحال والمتاجر الكبيرة، ومن ضمنها بحسب بيان الوزارة ضبط أسعار اللحوم، لكن حتى الآن، لاتزال أليات تفعيل الرقابة غير واضحة، ولم تحدد آليات ضبط أسعار اللحوم المستوردة أم المحلية، كما لم يظهر أي آلية واضحة لكيفية مواجهة ارتفاع الأسعار، ما يجعل المبادرة تواجه ضغوطاً تؤثر على المستهلك والصائم.
مؤشر اللحوم
منذ نهاية العام 2025 شهدت أسعار اللحوم العالمية تقلبات واضحة في مؤشر الأسعار. وفق مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، فقد ارتفع متوسط مؤشر أسعار اللحوم لعام 2025 بنحو 3.4 في المئة مقارنة بالعام السابق، مدفوعا بالطلب العالمي والضغوط المتعلقة بالأمراض الحيوانية والتوترات التجارية، ومع نهاية كانون الأول 2025 تراجع مؤشر أسعار اللحوم قليلًا عن شهوره السابقة لكنه ظل أعلى مما كان عليه في السنوات الماضية، ما يعكس استمرار الضغوط السعرية على اللحوم.
ولم يخف أحد العاملين المياومين، الذي يقترب راتبه من الحد الأدنى، مخاوفه من الضغوط التي يواجهها وعائلته خلال الشهر الكريم. بحسب تعبيره، مع الأسعار المعمول بها، ويقول: لم نكن قادرين على تحمل تكاليف شراء اللحوم بشكل طبيعي، فكيف إذا زادت الأسعار. ويضيف أن معظم أصناف الأطباق في رمضان تتطلب وجود اللحوم على المائدة. ووفق تعبيره، أصبحت وجبة الإفطار تكلفنا مبالغ كبيرة، خاصة وأن ارتفاع الأسعار لن يكون محصوراً باللحوم، بل قد يطال الدواجن، والخضار وغيرها.



