أشهر قليلة حاسمة… الصندوق أو المجهول؟!

0

يفترض بالمجلس النيابي الجديد الانكباب على دراسة جملة مشاريع قوانين متصلة بالاتفاق المبدئي الموقع مع صندوق النقد الدولي. وهي: مشروع موازنة 2022، مشروع قانون ضبط السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول)، ومشروع قانون تعديل السرية المصرفية. وتعمل الحكومة حالياً بالتعاون مع صندوق النقد ومصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف على إعداد مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف… تلك القوانين هي بمثابة شروط مسبقة فرضها الصندوق.

موازنة فارغة بفعل تقاعس يوسف خليل

بالنسبة للموازنة، سبق لوزير المال يوسف خليل ان انصاع لضغط سياسي، وسحب في الجلسة الأخيرة للحكومة البند المتعلق بالدولار الجمركي، والمزمع رفع تحصيله من سعر 1500 إلى 20 ألف ليرة للدولار. بينما كان وزير الاتصالات جوني القرم أجرأ من خليل واتخذ قراراً صارماً بضرورة رفع التعرفات قبل انهيار القطاع.

أهمية الدولار الجمركي تكمن في تحصيل ايرادات تقابل نفقات أقرّت في الموازنة، لا سيما منح الموظفين اعانات شهرية (عبارة عن راتب شهري اضافي) بالإضافة إلى تمويل بدلات النقل، وغيرها من النفقات الاجتماعية لتعويض الموظفين بعض فقدان القيمة الشرائية لرواتبهم.

ستحتدم الشعبويات وتتعاظم المزايدات

سيكون المجلس النيابي أمام معضلة زيادة الايرادات، سواء بالنسبة لأحزاب المنظومة أو مجموعة النواب “التغييريين”. وسيحتدم النقاش الشعبوي حتماً وتعلو المزايدات، ولن يكون سهلاً اقرار الدولار الجمركي الجديد واقناع الناس بضرورته القصوى، في ظل تقاعس الحكومة عن ضبط الهدر في بنود انفاق وزارات ومجالس وصناديق وادارات محظية سياسياً لزوم التوزيع الزبائني، كما تقاعسها عن ضبط التهرب الضريبي والتهريب عبر الحدود. فإجراءات اصلاحية كهذه كفيلة بزيادة الإيرادات العامة من دون اغفال ضرورة تعديل الدولار الجمركي لا سيما الخاص باستيراد الكماليات والسلع التي لها بديل محلي.

34 مليار دولار ممكنة…

65 ملياراً مستحيلة؟

على صعيد آخر، ستتجدد المعركة حول قانون “الكابيتال كونترول”، الذي سبق لأحزاب السلطة ان تنازعت حوله تحت شعار ادعائها حماية حقوق المودعين. هذه القضية هي بين الأعقد على الإطلاق في برنامج الإصلاح المتفق عليه مبدئياً مع صندوق النقد. فذلك الاتفاق يحمي صغار المودعين (حتى 100 أو 150 الف دولار) ونسبة حساباتهم إلى الاجمالي 88 الى 90%، وبقيمة (نظرية) تبلغ 34 مليار دولار. في مقابل حلول غير واضحة بالنسبة للبقية أي “كبار المودعين” الذين في حساباتهم 65 مليار دولار، وعددهم 170 ألفاً بينهم نحو 15 ألفاً فقط هم الأكثر ملكية للودائع الكبيرة.

لا مبالغة في القول إن معركة الودائع هي أم المعارك، خصوصاً وان الحكومة أعلنت نيتها شطب 60 مليار دولار من خسائر مصرف لبنان، وبالتالي تحويل العبء إلى المصارف أمام مودعيها، وفقاً لمعايير دولية في هذا الشان. أي البدء بتحميل الخسائر للمصارف أولاً، لأنها غامرت وأساءت الأمانة وورطت نفسها في مغريات فوائد قدمها لها مصرف لبنان الذي شفط منها إليه أكثر من 80 مليار دولار عبر شهادات الإيداع المصرفية.

ألعاب خفة في قدسية الودائع والصندوق السيادي

لن يقوى أي نائب على التصريح علناً بقبول طروحات الاتفاق مع الصندوق بشأن الودائع. لذا يتشبث البعض كذباً بمقولة قدسية الودائع من دون اعطاء أي تفصيل عن كيفية حفظ الحقوق “المقدسة” كاملة. كما بدأت أحزاب سلطوية التنظير لصندوق سيادي يضم أصول الدولة، ومن ايراداته ترد حقوق للمودعين في ما يشبه كذبة “قدسية الودائع” أيضاً. فالحكومة درست مع صندوق النقد هذا الخيار طولاً وعرضاً ليتبين، بما لا يقبل الشك، أنه غير صالح لعدة أسباب أبرزها: أن تلك الأصول أقل بكثير من ودائع كبيرة قيمتها نحو 65 مليار دولار. ويستحيل تخصيص ايردات تلك الأصول إلا للموازنة وفي مدى سنوات طويلة قادمة لتخرج من عجزها التاريخي الذي كان أحد أبرز أسباب الأزمة والإنهيار. الوجهة الأولى لهذه الإيرادات هي تمويل خدمات الدولة وانفاقها، من دونها ستضطر الدولة للإفراط في الاستدانة، أي الوقوع في الفخ الشنيع مرة أخرى، أو ستضطر لزيادة الضرائب فتقتل النمو، وترهق المجتمع أكثر مما هو مرهق. وهنا تطرح اسئلة من نوع: كيف يمكن اقناع المجتمع بأن أصول دولته، التي هي للجميع وتحديداً لستة ملايين لبناني، ستذهب إيراداتها الى نسبة 1 أو 2 أو 3% فقط من السكان؟ وبين الحجج الإضافية، أن استسهال هكذا طرح انما يعني القفز فوق أي محاسبة ممكنة سواء مباشرة أو غير مباشرة للمتسببين بهذا الانهيار الكارثي.

حلم بدء التحقيق في الجرائم المالية

المعركة الأشرس الأخرى ستتمحور حول كيفية تعديل قانون السرية المصرفية لأسباب مختلفة بينها الوقوف عن كثب على بنية الودائع. وهنا ندخل مساحات ظلال من الخفيف الى القاتم. فما ورد في الاتفاق مع الصندوق لا يبشر بخير للمتهربين من الحقيقة، اذ اشار الى ضرورة تعديل السرية المصرفية للبدء في التحقيق في الجرائم المالية تمهيداً لاسترداد الأصول. فهل المقصود استرداد الأموال التي هربت بعد 17 تشرين 2019؟ وهل المقصود التدقيق في الودائع لمعرفة مصادرها التشغيلية، وبالتالي شرعيتها من عدمها؟ على أي حال، ان الاقرار والالتزام بتغطية خسائر المصارف من المال العام لسداد كامل الـ 100 مليار دولار للمودعين ضرب من الخيال. الأجدى التدقيق في الودائع لربما وجدنا فيها أموالاً لفاسدين سياسيين وزعماء ووزراء ونواب ومديرين عامين وقضاة وضباط الى آخر أزلام المنظومة الفاسدة التي حكمت البلاد طيلة 30 سنة، وأثرت على حساب عموم الناس والخزينة العامة. كما ربما نجد ودائع لمتهربين من الضرائب ومرتكبي جرائم مالية في الداخل والخارج. للمثال: هناك وديعة بمليار دولار لجهة عراقية كردية تدور حولها شبهات كثيرة، فهل نردها لصاحبها وكأن شيئاً لم يكن؟!

في الليلة المصرفية الظلماء… يفتقد إيلي الفرزلي!

على أي حال، ان التعديل المطلوب من صندوق النقد للسرية المصرفية للتوافق مع المعايير الدولية سيغير وجه القطاع المصرفي اللبناني رأسا على عقب. وسيتصدى لذلك نواب على شاكلة النائب السابق إيلي الفرزلي الذي كم كان يتمنى أن يعود نائباً فقط ليصول ويجول في حماية السرية التي يرى فيها قد أقداس لا محيد عنه، وأن تعديلها ليس إلا مؤامرة صهيونية على بلاد الأرز!

فالصندوق، اذا اراد مواكبة الاصلاحات اللبنانية كما يريدها، سيجد مقاومة شرسة من جملة أطراف لا سيما القلة القليلة الحاكمة والثرية التي ستقاوم بكل ما أوتيت من نفوذ، ولن تسمح مطلقاً بإعطاء الحبل للراغبين في شنقها .

حادثة الطيونة نموذج بسيط

هذه القلة القليلة (الأوليغارشية السياسية والمالية) لا تعبأ بشعارات الشفافية والحوكمة وتطبيق قوانين محاربة الفساد وسؤال “من أين لها هذا”، مهما كلفها الأمر. وما حادثة الطيونة الا نموذج بسيط عن محاربي سير العدالة على الجميع سواسية كأسنان المشط. فهذا النظام الطائفي خلق “آلهة” فوق المحاسبة. هولاء سيهزأون من شرط واضح موضوع في الاتفاق مع الصندوق مفاده محاربة الفساد. ويتهكمون من الآن على خطة الصندوق لإرسال فريق الى لبنان قريباً لدرس كل آليات الحوكمة، وكيف تخرق القوانين أو تستغل، ولمصلحة من، وبأي ثمن؟

معركة من سيبقى؟

ومن سيرحل؟

أما قانون إعادة هيكلة المصارف فهو الآخر لا يقل أهمية من حيث التعويل عليه لقيام نظام مصرفي جديد كلياً، ومختلف جذرياً عما عرفه لبنان طيلة عقود، تخللتها ممارسات غير سوية أدت الى ما نحن فيه من كارثة مصرفية قل نظيرها في العالم. وستنشب معارك لها أول، ولا آخر لها عند وضع معايير دولية تحدد من يبقى من يصفى أو يخضع للإفلاس في هذا القطاع.

فرغم مرور أكثر من 3 أشهر على توقيع الاتفاق المبدئي مع الصندوق، لم تباشر الحكومة بعد اجراءات التدقيق في جودة أصول 14 مصرفاً مستحوذاً على 80% من اجمالي أصول القطاع، على أن يشمل التدقيق بقية المصارف لاحقاً. ويذكر أن صندوق النقد طلب شركات تدقيق دولية مرموقة تواكب لجنة الرقابة على المصارف في هذا العمل المصيري. لكن الأنكى هو السؤال عن عمل تلك اللجنة التي لطالما كانت “مطواعة” لمصرف لبنان والنافذين في عوالم المال والمصارف والسياسة. فهل ستتحول فجأة الى لجنة رقابة فعلية مستقلة وعلمية ومحايدة، وتنجز عملاً انقاذياً تاريخياً، أم ستخضع لمساومات بيع وشراء، او شد من هنا وجذب من هناك كما منذ عقود؟

وعلى افتراض انجاز ذلك العمل كما يجب، فهل ستقبل جهات سياسية نافذة تصفية مصارف محسوبة عليها؟ وهل سيقبل مصرفيون نافذون رؤية مصارفهم عرضة للتصفية من دون تحريك ساكن أو واسطة؟ وكيف ستقبل البنوك القابلة للإستمرار ضخ رساميل جديدة، وتستوعب استحقاق رد ودائع لمن حمتهم الخطة؟ وعلى مدى كم سنة؟

شهران أو ثلاثة وفقاً لسعادة الشامي

الأشهر المقبلة حاسمة. قد تمتد لشهرين أو ثلاثة على الأكثر وفق نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي في حديث للزميلة “لوريون لو جور”. وإلا سيبرد الملف لدى الصندوق، وندخل في مرحلة صعبة أخرى أخطر مما نحن فيه. علماً بأن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي ينتظر تنفيذ تلك الاجراءات او الشروط المسبقة لينظر في التوقيع النهائي مع لبنان، وبدء مواكبة الإصلاحات الأخرى مقابل 3 مليارات دولار لمدة 4 سنوات. اتفاق يعول عليه لجذب تدفقات اضافية بنحو 13 الى 14 مليار دولار، وفقا لمصادر السفارة الفرنسية في بيروت، وذلك من الدول والجهات المقرضة والمانحة للبنان.

خسائر اضافية مع كل يوم تأخير

كل يوم تأخير هو خسارة إضافية تضاف الى رقم 72 مليار دولار خسائر أولية مقدرة. الرقم المذكور عرضة للتغير وفقاً لجملة التدقيقات المطلوبة في مصرف لبنان والقطاع المصرفي، كما وفقاً لسعر الصرف اذ أن التقدير مبني على سعر 20 ألف ليرة للدولار بينما السوق السوداء تسجل حاليا 28 ألفاً، ومتعلق ايضا بالقروض المعدومة في دفاتر البنوك.

تصفية ما تبقى من فتات دولة وحطام مجتمع

إفشال “خطة الشامي” كما يحلو لجمعية المصارف تسميتها يدخل لبنان في المجهول. في الأثناء، يستمر الصرف مما تبقى من احتياطيات في مصرف لبنان، ثم يأتي دور التصرف بمخزون الذهب وفق قانون ضرورة قصوى معجل يطرح على مجلس النواب بذرائع مختلفة، أبرزها عناوين ووعود مكررة ما هي، عملياً، الا لشراء الوقت الاضافي. لمَ لا؟ فالمنظومة تشتري الوقت منذ سنوات طويلة، والأفظع هو ما فعلته إبان الأزمة، عندما تصرفت على أساس ترك “الخيط والمخيط” لمصرف لبنان الذي صرف من الاحتياطي أكثر من 20 مليار دولار. ومارس مع المصارف “كابيتال كونترول” على السحوبات والتحويلات مع اقتطاع قسري من الودائع (هيركات) حتى 70 الى 80% في حالات كثيرة. أما استنفاد الاحتياطي وبدء التصرف بالذهب فيعنيان حتماً الامعان في خطة تصفية ما تبقى من فتات دولة وحطام مجتمع!

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here