أصول الدولة والذهب والغاز… بديل عن صندوق النقد!

0

قبل نصف عام من اليوم، تحديداً في 11 نيسان 2022، أعلن صندوق النقد الدولي توصله إلى «اتفاق على مستوى الموظفين، بشأن السياسات الاقتصادية مع لبنان، للاستفادة من تسهيل الصندوق الممدد لمدة أربع سنوات». وضع الصندوق مهلة زمنية لتنفيذ السلطة المحلية مجموعة من الشروط المسبقة (جملة اصلاحات) تنتهي مع بداية تشرين الاول. ذلك أن البرنامج المتفق عليه يجب أن يخضع لموافقة إدارة الصندوق العليا ومجلسه التنفيذي، قبل اجتماعات الخريف. انقضت الستة أشهر، وانتهت إجتماعات الخريف التي عقدت بين 10 و16 الجاري في واشنطن، ولبنان لم ينجز المطلوب منه.

بعيداً عن تكرار ذكر الاجراءات المسبقة التي فرضها الاتفاق على مستوى الخبراء، يمكن القول إن لبنان عجز عن تنفيذ ولو شرط واحد لـحفظ ماء الوجه. وباستثناء إقرار قانونيّ تعديل السرية المصرفية الذي رده رئيس الجمهورية، والموازنة التي لا تلبي المتطلبات الاصلاحية نظراً لنسبة العجز الهائلة فيها، فان الخلاف الأساسي على كيفية توزيع الخسائر تفاقم أكثر.

ولم يشفع بـ «استراتيجية النهوض بالقطاع المالي» الحكومية، تضمينها «صندوق استرداد الودائع»، ليقبلها اللوبي المصرفي والمودعون. يضاف إلى الخلافات العمودية بين أصحاب المصلحة، خطر دخول البلاد في فراغين. الاول مستمر على مستوى السلطة التنفيذية، والثاني مرتقب على صعيد الرئاسة الاولى.

وعليه يُستبعد إتمام اتفاق مع صندوق النقد الدولي في ظل حكومة تصريف أعمال، حتى لو سلمنا جدلاً باتمام لبنان واجباته على صعيد إقرار القوانين الاصلاحية وتنفيذ الاجراءات المسبقة.

أمام هذا الواقع يبدو جلياً أن خيارات لبنان أصبحت محدودة جداً، ويمكن توزيعها على سيناريوين، قد لا يكون لهما ثالث، الأول متشائم والثاني، متشائل.

السيناريو المتشائم

السيناريو الاول، لا يختلف شكلاً أو مضموناً عما شاهدناه منذ انفجار الازمة في تشرين الاول 2019. وهو يأتي تحت عنوان الاستمرار في طباعة الليرات لتمويل عجزي الموازنة والخزينة وليلرة الودائع. ويتفرع من هذا العنوان عناوين فرعية أهمها:

1 – الاستمرار في تذويب الودائع من خلال تسديدها على أسعار صرف غير حقيقية (هيركات قسري كبير جداً). فهذه العملية استطاعت في ظرف 3 أعوام أن تخفض حجم الودائع في القطاع المصرفي بالعملة الاجنبية من حدود 126 مليار دولار الى اقل من 100 مليار.

– استنفاد المتبقي من توظيفات الزامية للمصارف بالعملة الاجنبية في مصرف لبنان والمقدّرة حالياً بحسب مصادر مطلعة بحدود 8 مليارات دولار (تبلغ 9.4 مليارات دولار بحسب أرقام البنك المركزي). فتبعاً لوتيرة الصرف من العملات الاجنبية يتبين أن المركزي استعمل نحو 2.4 مليار دولار في الاشهر الستة الاولى من العام الحالي. يذكر أن احتياطي العملة الاجنبية في مصرف لبنان كان يبلغ عشية الازمة حوالة 33 مليار دولار. وقد ذاب القسم الاكبر منه نتيجة عمليات الدعم والهندسات المالية على منصة صيرفة وتحويل 7 مليارات الى المصارف.

2 – الاستمرار في طباعة الليرات حيث وصل حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية الموضوعة في التداول M1 إلى 58.9 ألف مليار ليرة في نهاية أيلول الفائت. وهو ما ينعكس طلبا مباشراً وغير مباشر على الدولار. وبالتالي يؤدي إلى ارتفاع سعر صرفه مقابل الليرة اللبنانية. واللافت أن حجم هذه «الكتلة النقدية» التي تتضخم بوتيرة شهرية، لم يكن يتجاوز 6 الى 7 آلاف مليار ليرة عشية الازمة.

3 – تذويب الديون بالليرة اللبنانية (الدين العام)، فهذه الديون التي كانت تقدر بحوالى 45 مليار دولار في العام 2019، لم تعد تساوي اكثر من ملياري دولار راهناً. وهي مرشحة للانخفاض أكثر مع كل تدهور في سعر الصرف.

4 – استنفاد الجزء الاكبر من حقوق السحب الخاصة التي استلمها لبنان من صندوق النقد في ايلول 2021 وكانت قيمتها 1.13 مليار دولار.

فمع شح النقد الصعب لاستيراد السلع الاساسية المقومة بالدولار، وتسديد العقود، وتحديداً لمشغلي الكهرباء وبعض المتعهدين، بدأ المركزي بقرار حكومي مد اليد الى هذه الحقوق. فجرى منذ أيار تأمين 35 مليون دولار شهرياً لاستيراد أدوية الامراض السرطانية والمستعصية، واستمر دعم القمح بمعدل يتراوح بين 16 و20 مليون دولار شهرياً، ودُفع من هذه «الحقوق» لمؤسسة الكهرباء. ومن المتوقع استعمال جزء غير قليل منها لشراء النفط لزوم بدء تطبيق رفع تعرفة الكهرباء… وغيرها من المتطلبات التي يجب دفعها بالدولار. وعليه قد لا تصمد هذه «الحقوق» اكثر من عدة اشهر.

5 – مع استنفاد استعمال حقوق السحب الخاصة والجزء الاكبر المتبقي من احتياطي عملات في مصرف لبنان قد تنتقل السلطة بالتكافل والتضامن، وتحت موجب الضرورة القصوى، لسن قوانين رهن أو بيع الذهب. وبالتالي ستبدأ تدريجياً القضم من المتوفر من هذه الثروة المقدرة كميتها بحوالى 190 طناً أو ما يوازي 5.5 ملايين أونصة، من أصل 286 طناً مكونة من 9.2 ملايين. ذلك أن ثلث الذهب موجود خارج لبنان، وتحديداً في قلعة فورت نوكس الاميركية. ومن الصعوبة بمكان الحصول عليه لتسييله في ظل هذه الظروف. وتبعاً لوتيرة السحب من العملات الصعبة التي شهدناها خلال الاعوام الثلاثة الماضية بمقدار 23 مليار دولار على أقل تعديل، فان الاحتياطي الذهبي القابل للاستخدام، والذي تقدر قيمته بحسب أسعار ذهب اليوم بحوالى 9 مليارات دولار، لن يكفي نهم السلطة لاكثر من عام.

6 – استمرار المصارف بالعمل كـ «زومبي بنك».

7 – ضمور الاقتصاد وتقلص الناتج المحلي الاجمالي إلى أقل من 15 مليار دولار.

8 – تحول لبنان إلى بلد يعيش على تحويلات المغتربين ومساعدات المؤسسات الدولية، في ظل عملة منهارة ونسب تضخم من ثلاثة أرقام أو حتى أربعة.

الدولار يحلق مقابل الليرة

سيناريو بقاء الامور على ما هي عليه، كان قد تناوله معهد التمويل الدولي بشكل تفصيلي. حيث افترض أن البرلمان سيستمر في عرقلة الإصلاحات الحاسمة وتأخير إقرار القوانين المتعلقة بالإجراءات السابقة، لن يكون هناك اتفاق مع صندوق النقد الدولي، كما لن يكون هناك دعم مالي من المجتمع الدولي. وفي غياب المساعدة المالية من صندوق النقد، والبنك الدولي ومصادر أخرى، ستنخفض الاحتياطيات الرسمية المتاحة إلى أقل من مليار دولار في حلول العام 2026، مما يعني أن مصرف لبنان سيضطر إلى استخدام معظم المتطلبات الإلزامية، التي تعود للبنوك التجارية. وعليه «سيستمر سعر الصرف في السوق السوداء في انخفاضه إلى أكثر من 40 ليرة لبنانية في نهاية عام 2022، وسيصل إلى 110 الاف ليرة في نهاية 2026».

لا متشائم ولا متفائل

بعيدا عن مصلحة القوى السياسية المتحالفة مع النخب المصرفية ببقاء الامور على حالها، يبرز أكثر من حل لخروج لبنان من الانهيار «من عندياته»، أي من دون مساعدة صندوق النقد الدولي. ولعل أبرزها:

اقتراح العمل على «تكوين الشركات» أو ما يعرف بـ «Corporatization، بعد تحرير سعر الصرف.

فبحسب رئيس «الجمعية الاقتصادية اللبنانية»، والخبير السابق في صندوق النقد الدولي الدكتور منير راشد، تتم هذه العملية من خلال تحويل وإعادة هيكلة أصول الدولة، من هيئات حكومية ومؤسسات عامة ومصالح مستقلة إلى شركات مساهمة. الأمر الذي يبعد الملك العام عن «حيتان المال»، والمستثمرين الأجانب وصناديقهم العملاقة، ويبقيها بيد مالكيها الأصليين أي المواطنين. وبهذه الطريقة يتراجع الطلب على الدولار ويتحسن سعر الصرف ويستعيد المواطنون الثقة. ويصبح خيار تحويل الودائع إلى أسهم مربحاً، ويتمكن المودعون من سحب ودائعهم بالليرة على سعر السوق الحقيقي، وتنعدم الحاجة إلى امتلاك مصرف لبنان احتياطيات كبيرة بالعملة الاجنبية أو حتى الذهب. ويصبح بالامكان استخدام هذه الاحتياطيات للتعويض على المودعين الراغبين. ويتقلص حجم القطاع العام وينخفض عجز الدولة ويبدأ لبنان بالخروج من الازمة.

حلول وسطية

في المقابل يرى الرئيس التنفيذي لشركة «Advisory and Business Company» علاء غانم أن هناك خيارين وسطيين من الممكن أن يلجأ اليهما لبنان للخروج من الازمة والبدء في استعادة النمو وهما: إما البيع وإعادة التأجير لمؤسسات القطاع العام الانتاجية والخدماتية وحتى العقارية، أو ما يعرف تقنياً بـ «sale and lease back». أو من خلال البيع على أساس إعادة شراء فيما بعد أي sale option to buy them after a period of time. وما يزيد من فرصة نجاح مثل هذه الحلول هو نجاح لبنان في ترسيم الحدود، وإمكانية استخراج النفط والغاز من الحقول البحرية في المستقبل القريب. وفي هذه الحالة يصبح بالامكان وضع قسم من الاصول في صندوق استثماري وبيع نسبة معينة منها لتأمين السيولة اللازمة، بشرط حفظ حق الدولة في استرداد ما باعته بعد فترة معينة. ونتيجة لامكانية استخراج النفط يمكن للدولة أن تربط فترة الاسترداد ببدء حصولها على عائدات نفطية، سواء كان الاسترداد سيتم بنفس قيمة البيع أو بحسب القيمة الجديدة للأصول.

هذه الخيارات لا يمكن اعتبارها متفائلة، إنما متشائلة، لان نجاحها يفترض «وضع السياسة في خدمة الاقتصاد، وليس العكس كما يحصل في لبنان بتوظيف الاقتصاد لخدمة السياسيين»، يشدد غانم. و»بالتالي يجب الفصل بشكل تام السياسة عن الادارة. فلنعتبر أن الدولة شركة، والسياسيين هم مجلس الادارة لا يملكون أي صلاحيات تنفيذية، ومن يدير هذه الشركة هم أصحاب الاختصاص الذين يفضل أن يكونوا شركات أجنبية. من دون أن يعني ذلك الخصخصة، إنما فقط شركات خاصة لادارة القطاع العام بشروط واضحة وشفافة».

بيع الغاز قبل استخراجه!

من الحلول السريعة التي يمكن اللجوء اليها أيضا «بيع الغاز بـ»ارضه»، في حال توفره، قبل استخراجه لشركة توتال، حتى لو تتطلب الامر حسماً ماديا بنسبة معينة»، يقول علاء غانم. «فاذا كان هناك تأخير في امكانية استخراج النفط من حقل قانا، نظراً لظهور تعقيدات تقنية، ومنها مثلا الحديث عن اتصال الحقل الاخير بكاريش، فلنمسح الآبار المحتملة ونبيعها لتوتال ونقبض ثمنها على دفعات سنوية. الامر الذي يعوض عن أموال صندوق النقد، ويجنب لبنان التأخير في استخراج النفط والعوائق السياسية والجيوسياسية الاخرى. وتصبح المسؤولية على عاتق الشركة المشغلة (توتال).

امتلاك لبنان كل المقومات، البشرية وفي المستقبل النفطية كفيل بانجاح أي حل منطقي شرط توفر الارادة السياسية. وهذا ما يبدو مستحيل التحقق الآن أو حتى في المستقبل.

 

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here