ألواح طاقة شمسية طائرة… العاصفة تفضح غياب الرقابة

تزامناً مع العاصفة التي ضربت بيروت مساء أمس، اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصوّرة تُظهر تطاير ألواح الطاقة الشمسية فوق أسطح الأبنية، في مشهدٍ سرياليّ بدا للوهلة الأولى مضحكاً، قبل أن ينقلب سريعاً إلى صورة مخيفة عن واقعٍ أكثر خطورة. وكما في كثير من الأزمات اللبنانية، حوّل اللبنانيون المشهد إلى مادة للسخرية، كوسيلة لتخفيف وقع الخوف والوجع. غير أن ما جرى يتجاوز حدود “النكتة”، ويضع علامة استفهام كبرى حول فوضى تركيب ألواح الطاقة الشمسية، والمخاطر التي باتت تهدّد السلامة العامة في ظل غياب الرقابة والتنظيم.

بين تشجيع الطاقة النظيفة وفوضى التطبيق

من حيث المبدأ، يشكّل التوسّع في استخدام الطاقة الشمسية خياراً استراتيجياً للبنان، في ظل الانهيار المستمر لقطاع الكهرباء. ووزارة الطاقة والمياه كانت قد أكدت، في قرار أصدرته قبل نحو عام، أن تطوير سوق الطاقة المتجددة، لا سيما إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية على أسطح الأبنية، يُعد جزءاً أساسياً من سياسة الحكومة اللبنانية للتنمية المستدامة، ومن أولويات الوزارة لتحقيق مزيج طاقوي يعتمد على الطاقات النظيفة. وتسمح القوانين المرعية الإجراء بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية للاستعمال الشخصي بقدرة تقل عن 1.5 ميغاوات من دون الحصول على إذن.

لكنّ هذا “التسهيل” القانوني، مع نقل جزء من صلاحيات الترخيص والمتابعة إلى البلديات، فتح الباب واسعاً أمام الفوضى، في ظل غياب المتابعة والتدقيق التقني، وتحويل العديد من عمليات التركيب إلى أعمال عشوائية، لا تراعي شروط السلامة أو أبسط المعايير الهندسية.

ماذا تقول بلدية بيروت؟

يوضح عضو مجلس بلدية بيروت، الدكتور محمد بالوظة، لـ”المدن”، أن حادثة تطاير الألواح عادةً ما تدلّ على واحد أو أكثر من الأسباب التالية، غياب دراسة إنشائية حقيقية للأحمال والرياح، لا سيما لناحية تثبيت الهياكل المعدنية والقواعد، تركيب الألواح من دون إشراف مهندس مسؤول، أو من دون تسجيل وتصديق أصولي للملف، وتجاوز شروط السلامة العامة التي يفرضها قانون البناء عند منح أي ترخيص.

ويشدّد بالوظة على أن المسألة ليست “تفصيلاً تقنياً”، إذ إن تحوّل هذه التركيبات إلى خطر على الناس أو الممتلكات يفتح الباب أمام مسؤوليات قانونية ومحاسبة مباشرة.

كيف تُعطى التراخيص فعلياً؟

بحسب بالوظة، فإن منح رخص البناء والمنشآت ضمن النطاق البلدي يعود، وفق قانون البناء، إلى رئيس السلطة التنفيذية في البلدية (أي المحافظ). أما في ما يخص ألواح الطاقة الشمسية، فقد كانت وزارة الداخلية والبلديات قد أوضحت، في بيان رسمي سابق، مساراً إدارياً يقوم على تقديم طلبات الترخيص إلى وزارة الطاقة والمياه، إحالتها بعد الموافقة إلى وزارة الداخلية والبلديات، “حرصاً على تنظيم العملية والمحافظة على السلامة العامة”، التقيّد بقرارات المجلس الأعلى للتنظيم المدني، خصوصاً لناحية تركيب الألواح على الأسطح، والحصول على موافقة أكثرية مالكي المبنى في حال التركيب على أقسام مشتركة، والتأكد من عدم وجود مخالفات أو ورش موقوفة.

وفي هذا الإطار، شدّدت نقابة المهندسين في بيروت، عام 2025، على أن أي ترخيص لتركيب الألواح أو هياكلها المعدنية يستوجب ترخيصاً أصولياً للمنشآت المعنية، وتسجيل المعاملات في النقابة، والتقيّد بقوانين البناء ومراسيم السلامة العامة، في ظل غياب تشريع خاص شامل ينظّم هذا القطاع.

مخالفات بالجملة… ومحاسبة غائبة

عملياً، تتكرّر المخالفات نفسها في معظم الحالات بحسب بالوظة، وأبرزها، التركيب من دون ترخيص أو خلافاً لشروطه، ما يستوجب قانوناً وقف الأشغال وتنظيم محضر ضبط بحق المالك والمسؤول عن التنفيذ، غياب مهندس مسؤول فعلي، أو عدم تسجيل المعاملة في نقابة المهندسين، عدم التحقق من قدرة السقف أو المبنى على تحمّل الأحمال الإضافية وقوة الرياح، تركيب الألواح على أقسام مشتركة من دون موافقة أكثرية المالكين.

ويشير بالوظة من الناحية القانونية في حال المخالفة، تُفرض غرامات مالية قد تصل إلى ضعفي الرسوم، مع إمكانية إلزام المالك بإزالة المخالفة أو هدم الإنشاءات المخالفة على نفقته، إضافة إلى عقوبات مسلكية بحق المهندسين والمقاولين، قد تصل إلى توقيفهم عن العمل أو إقصائهم عن الصفقات العامة.

كما يشددّ على أن البلدية لن تتهاون مع هذه التجاوزات التي باتت تهدد السلامة العامة وأرواح المدنيين.

“الخيمة” أخطر من اللوح

من جهته، يلفت مهندس الكهرباء محمد المقداد، في حديثه لـِ “المدن”، إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الألواح نفسها، بل في “الخيمة” أو الهيكل المعدني الذي تُثبّت عليه. ويشرح أن كثيراً من هذه الهياكل تُنفّذ من دون أي دراسة هندسية، سواء لجهة الحديد المستخدم أو قوة الرياح المتوقعة، ومن دون ترك فراغات مدروسة تسمح بمرور الهواء.

ويضيف المقداد أن البلديات التي تلتزم الأصول تطلب، خصوصاً إذا تجاوز ارتفاع الهيكل ثلاثة أمتار، دراسات هواء ودراسات إنشائية يعدّها مهندس مدني مختص، لكن ما يحصل في الواقع هو أن “مهنة تركيب ألواح الطاقة تحوّلت إلى شغلة للي ما عنده شغل”، وسط فوضى ومضاربات وغياب أي تنظيم فعلي.

حادثة الألواح الطائرة ليست مجرّد تفصيل عابر فرضته عاصفة شتوية، بل جرس إنذار حقيقي لفوضى متفاقمة في قطاع يُفترض أن يكون ركيزة من ركائز الحلّ لا مصدراً جديداً للخطر. وبين تشجيع الدولة للطاقة المتجددة وتخلّيها عن دورها الرقابي، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، المعرّض دائماً لدفع ثمن الإهمال… ولو بسقوط لوح “طاقة نظيفة” فوق رأسه.

مصدرالمدن - فاطمة البسام
المادة السابقةقفزات أسعار اليوروبوند: مؤامرة “قانون الفجوة”؟
المقالة القادمةأموال منهوبة وشركات واجهة”… تعاون قضائي فرنسي يفتح ملفات مصرف لبنان