إقالة سلامة مستبعدة… والمماطلة القانونية والقضائية خطرة

0

لا يزال المصير القانوني لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة النقطة الاكثر سخونة على الساحتين اللبنانية والاوروبية، بعد تعميم اشارة الانتربول الدولي بتوقيفه يوم الجمعة الماضي. في بداية هذا الاسبوع، تتجه الانظار الى رد فعل السلطة السياسية في لبنان، وعلى رأسها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، لمعرفة موقفها من الطلب الدولي بتوقيف الحاكم، بعدما حاولت شراء الوقت على اعتبار أنها لم تتبلغ رسمياً من الانتربول مذكرة توقيفه. أما وقد حصل هذا الامر، هناك سلسلة تطورات سجلت، من شأنها أن تضع المنظومة السياسية في لبنان، في “بيت اليك”، بمعنى أنها لم يعد بامكانها دفن رأسها بالرمال.

ولذلك شهد يوم (أمس) تسريب مصدر قضائي لوسائل الاعلام خبراً مفاده، أن “الاستماع الى سلامة من قبل القضاء اللبناني سيتم هذا الاسبوع، على أن يتولى المحامي العام التمييزي عماد قبلان استجوابه، ومن ضمن الاجراءات الروتينية ان يعمد القاضي الى منعه من السفر وحجز جواز سفره”. بالاضافة الى “تسلم المحامي العام التمييزي القاضي غسان خوري، المذكرة التوضيحية لمحامي سلامة التي ارسلها القاضي شربل أبو سمرا، وسيرد عليها من خلال مطالعة سيطلب فيها من ابو سمرا الالتزام بأصول المحاكمات واتخاذ القرار المناسب”. ومن التطورات المتعلقة بالملف طُلب من شقيق الحاكم (رجا سلامة) ومعاونته ماريان الحويك للاستماع اليهما في باريس في 15 من الشهر المقبل، واذا لم يحضرا تصدر بحقهما مذكرتا توقيف ايضاً وفقاً لمصادر قضائية لم تستبعد مفاجآت قضائية أوروبية أخرى تباعاً، اذ ستنعكس المماطلات القانونية والقضائية سلبياً على اكثر من صعيد. كما كان لافتاً تصريح وزير العدل في حكومة تصريف الاعمال هنري خوري عن “خشيته من ان يتدحرج الوضع، وان تقوم دول أوروبية أخرى بالقيام بنفس الخطوات الفرنسية، لذا يجب ان يُدرك الحاكم الوضع ويستقيل”.

هناك قراءتان لقانون النقد والتسليف

في المشهد القانوني-السياسي المتعلق بهذا الملف، ثمة قراءتان حول امكانية اقالة سلامة، وفقاً لقانون النقد والتسليف. الاولى تعتبر “أنه يمكن اقالته، كونه بات مطلوباً دولياً، وهذا تطور من شأنه أن يضر بالمصالح العليا اللبنانية مالياً واقتصادياً، ناهيك عن المعطى الاخلاقي، إذ لا يجوز أن تبقى على رأس أعلى سلطة نقدية في البلاد، شخصية تحوم حولها شبهات الفساد”. أما القراءة الثانية “فتعتبر أن قرينة البراءة لا تزال سارية على سلامة، ولم تتم ادانته ولذلك لا يمكن إقالته، ناهيك عن أن كتاب الاقالة يجب أن يتقدم به وزير المال (المحسوب على رئيس مجلس النواب نبيه بري)، وهذا كان مستبعداً حتى يوم امس”.

مالك: استدعاء الحاكم أمام القضاء المحلي… ودرس طلب الاسترداد

في القراءة القانونية – الدستورية لكل التطورات الحاصلة، يشرح الخبير الدستوري المحامي سعيد مالك لـ”نداء الوطن” أنه بعد صدور مذكرة التوقيف عن القضاء الفرنسي، وتعميمها بواسطة الانتربول كمذكرة توقيف دولية، وكون لبنان هو عضو بمنظمة الانتربول الذي ينطوي تحت لوائها اكثر من 195 دولة، من الطبيعي أن يستدعي النائب العام التمييزي حاكم المركزي الى مكتبه من أجل الاستماع اليه بهذا الخصوص”، لافتاً الى أنه “بعدها سيصار الى الطلب من السلطات الفرنسية تنظيم طلب استرداد بحق الحاكم، حتى يصار الى دراسة هذا الطلب أصولاً. وبعد ان تقوم السلطات الفرنسية بتنظيم طلب استرداد وتسليمه الى لبنان عبر القنوات المعمول بها، أي من وزارة الخارجية الى وزارة العدل ومن ثم الى النيابة العامة التمييزية، يصار الى استدعاء حاكم المركزي مجدداً امام النائب العام التمييزي، للاستفسار منه وسؤاله واستجوابه حول موضوع مذكرة التوقيف والادعاء المقدم بحقه في فرنسا”.

تقرير الى وزير العدل… ثم الى الحكومة للقرار

ويشير الى أنه “نتيجة هذا الاستمـاع والاستجـواب، يتخـذ مبدئياً القرار من قبل المدعي العام التمييزي، بتوقيف سلامة او بعدم توقيفه أو بحفظ الملف في حال تبين ان الادعاء غير صحيح أو الشبهة غير مكتملة”.

يوضح مالك أنه “على المدعي العام التمييزي في كل الحالات، أن يرفع تقريراً بذلك الى وزير العدل حيث تحال هذه الاوراق، أي طلب الاسترداد مع مرفقاته مع استجواب سلامة، ومع التقرير الذي نظمه النائب العام التمييزي الى وزير العدل، الذي بدوره يرفع كامل هذا الملف للحكومة لاتخاذ القرار، سيما ان المادة 35 (الفقرة الاخيرة) من قانون العقوبات اللبناني، تنص صراحة على ان الاسترداد، يتم اقراره بمرسوم يصدر عن مجلس الوزراء وبناء على اقتراح وزير العدل”.

ويختم: “اليوم من يقرر تسليم سلامة من عدمه هي السلطة السياسية وتحديداً مجلس الوزراء، الذي ينظر بكافة هذا الملف ويبني على الشيء مقتضاه”.

بطرس: ليس من السهل اقالة سلامة… يمكن مفاوضته على الاستقالة

من جهته يلفت المحامي راضي بطرس لـ”نداء الوطن”، الى أنه “ليس من السهل اقالة سلامة من قبل السلطة السياسية في لبنان، لأن اقالته يجب ان تتوفر لها شروط مثل الخيانة العظمى وعدم الاهلية للتصرف، وبالتالي لا يملكون سبباً قانونياً لإقالته”، معتبراً أنه “من الناحية السياسية يمكن مفاوضته على الاستقالة، على اعتبار أن هناك مذكرة توقيف من الانتربول بحقه، ومن الاجدى له الاستقالة لأن بقاءه على رأس المركزي سيضر بالوضع النقدي اللبناني، وسيدفع العديد من المصارف المركزية في اوروبا الى عدم التعاون مع اي مستند صادر عن مصرف لبنان وهذا سيؤثر سلباً علينا”.

يضيف: “لذلك لا نعرف ما هو المنحى الذي ستتخذه الامور، في ظل حكومة مستقيلة وفراغ رئاسي وفي ظل قضاء لا يحرك ساكناً. لذلك السؤال هل سيتخذ كل من البطريرك الماروني ومجلس النواب موقفاً بإقالته؟ القضية لها طابع سياسي اكثر منه قانونياً”.

قرينة البراءة قائمة… ليس مداناً بحكم بعد

وشدّد بطرس على أنه “من الناحية القانونية لا يمكن إقالته لأن هناك مجموعة معايير لا تنطبق عليه، وهناك قرينة البراءة التي تنص على ان المتهم بريء حتى ثبوت ادانته. ومذكرة الانتربول صدرت لأنه لم يحضر جلسة الاستجواب، وليس لأنه صدر قرار ظني بحقه، وهذا يعني انه لم تتمّ إدانته بعد، بل أمامه مسار المثول امام قاضي الجزاء المنفرد في محكمة الجنايات والعمل على اثبات براءته”.

كما يرى بطرس أن “لدينا مشكلة مع قرينة البراءة التي تنص على أن المتهم بريء حتى ثبوت الادانة. لكن مذكرة التوقيف لها ايقاع مهول على شخص مثل حاكم مصرف لبنان، وهذا يعني ان هناك ملاحقات ضده، وفي اي بلد يحترم نفسه، عليه تقديم استقالته ويعمل على اثبات براءته بعدها”، مشدداً على أنه “في لبنان الوضع اصعب بكثير لجهة سيطرة المحسوبيات السياسية، والطائفية والقانونية (قرينة البراءة) وفي ظل فراغ رئاسي وحكومة تصريف اعمال”، سائلاً: “في حال تمت اقالته، هل سيتولى مكانه نائب الحاكم الاول؟ وهل هو مؤهل في هذا الظرف؟ هناك صعوبات كبيرة خاصة في ما يتعلق بالحسابات الطائفية والانهيار الاقتصادي الحاصل، ما يجعل الملف شائكاً جداً ولن يتمنى أحد أن يكون مكان رئيس حكومة تصريف الاعمال في هكذا وضع”.

ويختم: “ما ستتخذه المصارف الاوروبية المركزية في حق لبنان، ستؤذينا كمصارف لبنانية ولناحية الاستيراد والتصدير وفي رفض اي توقيع للحاكم على أي مستند، الاقالة ضرورة ولكنها صعبة التحقق”.

طويلة: سلطة سياسية مستمرة في منطقها التدميري

في القراءة الاقتصادية لما يحصل، يشرح الخبير الاقتصادي جان طويلة لـ”نداء الوطن” أن “هناك مشكلة جوهرية في لبنان، وهي انه بدل أن تسلك السلطة السياسية مسار حل المشاكل للأزمة العالقين فيها، لا يزالون في المنطق التدميري والتعطيلي، اي يدفعون نحو انفجار المشاكل ويبتكرون لها حلولاً ترقيعية بعيداً عن منطق حسن ادارة الازمات”، مشدداً على أن “الانتظام الدستوري والقانوني والمالي يتطلب تفعيل عمل المؤسسات على كل الصعد. ولسوء الحظ، وفي ظل هذا الوضع الاستثنائي الذي لا يمكن لأي مشرّع ان يتوقع انه سيحصل، أي أن نصل الى هذا الدرك الاسفل من التدهور السياسي والاقتصادي والمالي، لكن بحسب القانون، حين تكون هناك ملفات قضائية بحق حاكم مصرف لبنان، من حق الحكومة اقالته بحسب قانون النقد والتسليف، ويستلم من بعده نائب الحاكم الاول المهام لحين تعيين الحاكم الجديد”.

بري لا يريد لمنصوري تسلّم المهام

يضيف: “بحسابات المنظومة السياسية، بري لا يريد ان يستلم المهام النائب الاول للحاكم. وعلى صعيد التعيين هناك شخصيات لبنانية تتمتع بكفاءات ممتازة لتولي منصب الحاكم، والمساهمة في وضع سياسة نقدية سليمة والتوصل الى اتفاق مع صندوق النقد، وتحسين الحوكمة في السلطة المالية والنقدية”، لافتاً الى أن “السلطة السياسية منذ ما قبل الازمة، لا نية لديها بالقيام بالاصلاحات لأنها تضر بمصالحهم، ولو كانت على حساب عموم الشعب اللبناني والمودعين، وأي حاكم جديد عليه أن يقوم مثلاً باعادة هيكلة القطاع المصرفي ورسملته والرقابة عليه”.

كفّة من سترجح

يرى طويلة ان “هناك مصالح مشتركة للسلطة السياسية والمصرفية، وهناك استعمال للسياسة النقدية لاهداف سياسية وشخصية وليسوا على استعداد لتغييرها، وابرز مثال على ذلك استعمال وادارة منصة صيرفة لأهداف ومصالح خاصة”، موضحاً أنه “في ما يتعلق بمصير سلامة ليست كل الطبقة السياسية على نفس الموقف، فنائب رئيس مجلس الوزراء سعادة الشامي يطالب بوضوح باستقالته، بينما بري يريد تأجيل هذا الامر ولو كان سيلحق الضرر بلبنان، وهناك من يريد السير بالمسار السليم لحل هذا الملف، ولذلك علينا انتظار كفة من سترجح”.

ويختم: “هناك عدة سيناريوات، إما طلب الاستقالة ليحل مكانه نائب الحاكم الاول، وهذا ما يفضله “حزب الله”، ومنهم من يريد ابقاءه في منصبه الى نهاية ولايته وهذا تحد، او سيستقيل ويتم تعيين بديل عنه”.

مقترح الجميّل

ومن المستجدات المتعلقة بالملف أيضاً تقدم رئيس حزب “الكتائب اللبنانية” النائب سامي الجميل باقتراح قانون، يرمي إلى جعل ولاية حاكم مصرف لبنان ونوابه قابلة للتجديد مرة واحدة فقط، تطبيقاً لمبدأ المداورة ولمنع التسلط في إدارة المصرف المركزي وجاء في الاسباب الموجبة: “بما أن استمرار حاكم المصرف المركزي في منصبه لمدة 27 عاماً بلا انقطاع، بفعل تجديد ولايته لمرات عدة، قد أدى إلى اعتماد سياسات كارثية نتج عنها انهيار البلد، وبما أن تطبيق مبدأ المداورة أساسي لإرساء التوازن مع استقلالية عمل المصرف المركزي ومع الحصانة الممنوحة للحاكم ولمنع التسلّط في إدارته، وبما أن من شأن ذلك أيضاً السماح بتقييم وتصحيح السياسات النقدية والمالية الخاطئة عند الاقتضاء، لذلك، نتقدم باقتراح القانون الحاضر لتعديل مدة ولاية حاكم مصرف لبنان”.

على صعيد آخر، اعتبر رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل في مقابلة اعلامية أننا “نعيش في زمن عدم محاسبة المرتكبين، ونعتبر ان هذا الامر انتهى وبصدور مذكرة التوقيف انطلقت شرارة تحرير لبنان من الفساد”، مشدداً على أن” الأجهزة القضائية والامنية والسياسية في لبنان، تشكل منظومة متكاملة تحمي الحاكم سلامة وهو يحميها ويتبادلون الخدمات، وهذا العجز دفع بالقضاء الفرنسي الى التحرّك”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here