تضع حرب الشرق الأوسط اقتصادات دول الخليج أمام اختبار معقد، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد. وبينما تعتمد هذه الدول بشكل كبير على صادرات النفط والغاز، تبرز سيناريوهات مقلقة تشير إلى احتمال تعرضها لهزات، خاصة في حال استمرار التصعيد وتأثر الملاحة عبر مضيق هرمز.
يشكّل الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تهديدا حقيقيا بإلحاق أضرار اقتصادية كبيرة بأكبر اقتصادات منطقة الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات وقطر، خصوصا إذا لم تنتهِ الأعمال العدائية في المستقبل القريب.
ويرى فاروق سوسة، الخبير الاقتصادي في مجموعة غولدمان ساكس، أن استمرار الحرب حتى نهاية أبريل قد يقود إلى سيناريو اقتصادي بالغ الصعوبة بالنسبة إلى بعض دول الخليج.
وفي هذا السيناريو قد تواجه كل من قطر والكويت انكماشا في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 14 في المئة خلال 2026، وهو تقدير يستند إلى فرضية توقف تدفق النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز لمدة شهرين كاملين.
وبالنسبة إلى هاتين الدولتين سيمثل مثل هذا التراجع الاقتصادي أسوأ انكماش منذ أوائل التسعينات، عندما أدى الغزو العراقي للكويت إلى اندلاع حرب الخليج وما رافقها من اضطرابات اقتصادية عميقة في المنطقة.
أما بالنسبة إلى السعودية والإمارات فمن المرجح أن تكون العواقب أقل حدة نسبيا، ويرجع ذلك إلى قدرة البلدين على تحويل مسار جزء من شحناتهما النفطية بعيدا عن ممر مضيق هرمز الحيوي.
ومع ذلك لن يكون اقتصادهما بمنأى عن الأضرار، حيث تشير التقديرات إلى احتمال تراجع الناتج المحلي الإجمالي السعودي بنحو 3 في المئة، في حين قد ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الإماراتي بنحو 5 في المئة.
ويُعد هذان الرقمان مؤشريْن على أكبر اضطراب اقتصادي قد تشهده الدولتان منذ الأزمة الاقتصادية العالمية المرتبطة بجائحة كورونا عام 2020.
ووصف سوسة هذه التوقعات بأنها تمثل “سيناريو ضغط” للاقتصادات الخليجية. وأوضح أن المدة التي قد يستمر خلالها إغلاق مضيق هرمز تُعد عاملا حاسما في تحديد حجم التأثير الاقتصادي.
وقال “إذا استمر الإغلاق لفترة أقصر تبلغ نحو 21 يوما فقط، فمن المرجح أن تشهد اقتصادات دول الخليج الست انكماشا في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين اثنين و5 في المئة”.
ولا تزال مدة الحرب غير واضحة حتى الآن. واندلعت الحرب أواخر فبراير عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران، بينما لا يزال مدى تأثيراتها على تدفقات الطاقة عبر المنطقة غير مؤكد.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي أشار مسؤول مقرب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن القتال قد يستمر لمدة تصل إلى ستة أسابيع، وربما يمتد حتى أواخر أبريل.
ويرى سوسة، الذي يتولى متابعة اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في غولدمان ساكس، أن التأثيرات المباشرة للصراع على اقتصادات دول الخليج قد تتجاوز في بعض جوانبها آثار أزمة جائحة كورونا.
ورغم اعتقاده بأن هذه الدول ستتمكن في نهاية المطاف من التعافي وإعادة بناء اقتصاداتها بعد انتهاء الحرب، فإنه يرى أن مدى تأثير النزاع على مستوى الثقة الاقتصادية على المدى الطويل لا يزال غامضا.
والاثنين دخلت أسهم دبي رسميا في سوق هابطة بعدما تراجعت بنسبة 20 في المئة مقارنة بذروتها التي سجلتها في شهر فبراير. وقد انعكس تأثير الحرب على عدد من القطاعات الحيوية في الإمارة، من بينها قطاعات العقارات والسياحة والطاقة.
ووفقا لبيانات جمعتها وكالة بلومبيرغ، باتت أسهم دبي الأسوأ أداء على مستوى العالم خلال هذا الشهر عند احتساب قيمتها بالدولار.
وتُظهر التوقعات التي أصدرتها غولدمان ساكس حجم الضغوط التي تمارسها الحرب الجارية في الشرق الأوسط على اقتصادات دول الخليج.
ورغم امتلاك العديد من هذه الدول صناديق ثروة سيادية ضخمة واحتياطيات كبيرة من العملات الأجنبية، فإن الصراع الحالي قد يترك آثارا طويلة الأمد على صورتها باعتبارها بيئات اقتصادية مستقرة وآمنة في منطقة تعاني أصلا من الاضطرابات.
وبالنسبة إلى السعودية والدول المجاورة لها، فإن هذا الضرر المحتمل الذي قد يلحق بسمعتها الاقتصادية قد يقوّض الجهود المبذولة لتوسيع القطاعات غير النفطية وتنويع الاقتصادات بعيدا عن الاعتماد التقليدي على عائدات النفط.
ومع دخول الحرب أسبوعها الثالث، لا تزال مؤشرات التهدئة محدودة للغاية. وواصلت إيران تنفيذ هجمات استهدفت دول الخليج المجاورة.
وعلّق مطار دبي الدولي الرحلات الجوية مؤقتا بعد حادثة طائرة مسيّرة تسببت في اندلاع حريق، بينما أعلنت السعودية أنها اعترضت عشرات الطائرات المسيّرة خلال ساعات الليل.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع شنت الولايات المتحدة ضربات جوية استهدفت منشآت عسكرية بالقرب من جزيرة خارك، التي تُعد أحد أهم مراكز تصدير النفط الخام الإيراني.
كما حذّرت واشنطن من احتمال استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران إذا واصلت طهران عرقلة حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس صادرات النفط العالمية.
وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة تجري محادثات مع نحو سبع دول بهدف تشكيل تحالف دولي لتأمين المضيق وتوفير مرافقة للسفن التجارية التي تعبره، غير أن ردود فعل الحكومات الأوروبية والآسيوية على هذا المقترح بدت حتى الآن متحفظة.
كما انعكست الأزمة بوضوح على أسواق النفط العالمية. وواصل خام برنت الاثنين الماضي مساره الصعودي متجاوزا مستوى 104 دولارات للبرميل.
ومع ذلك، فإن ارتفاع الأسعار قد يعوض جزءا محدودا فقط من الخسائر الاقتصادية التي قد تواجهها دول الخليج نتيجة تعطل الإمدادات.
واضطرت كل من السعودية والكويت والإمارات إلى خفض إنتاجها النفطي نتيجة إغلاق مضيق هرمز. كما اتخذ العراق إجراءات مماثلة، وأبلغت حكومته بلومبيرغ بأنها قد تزيد من إصدار السندات المحلية لتعويض تراجع عائدات النفط.
وفي نفس الوقت اضطرت قطر إلى تقليص صادراتها من الغاز الطبيعي المسال نتيجة الظروف المرتبطة بالصراع.
ويرى عدد من الاقتصاديين الذين تحدثوا إلى بلومبيرغ أن السعودية قد تكون من بين أكثر اقتصادات الخليج قدرة على الصمود في حال استمرار الحرب لفترة طويلة.
ونجحت السعودية في إحباط معظم الهجمات الإيرانية، واستمرت الحياة اليومية فيها مع اضطرابات محدودة نسبيا. ولا يزال المجال الجوي والأنشطة التجارية يعملان بصورة طبيعية إلى حد كبير، خصوصا في المناطق الغربية.
كما سعت إلى تحويل ملايين البراميل من النفط يوميا نحو موانئ تقع على ساحلها الغربي على البحر الأحمر. ويتيح هذا المسار بديلا جزئيا للشحنات التي كانت تنطلق من الموانئ الشرقية المطلة على الخليج، حيث تقع غالبية الحقول النفطية في البلاد.
وعلى المدى القريب قد يتمثل الخطر الاقتصادي الأكبر الذي تواجهه السعودية في احتمال تفاقم العجز المالي خلال الثلاثي الأول من العام نتيجة انخفاض الإيرادات الحكومية.
وقد أشارت إلى ذلك مونيكا مالك كبيرة الاقتصاديين في بنك أبوظبي التجاري وأزاد زنكنة من مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس. ومع ذلك قد تبدو الصورة مختلفة عند النظر إلى عام 2026 بأكمله.
ويقدر خبراء أن تسجل السعودية عجزا في الميزانية أقل مما كان متوقعا قبل الحرب، شريطة استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة والقدرة على الحفاظ على حجم كبير من الصادرات. وقد عبّر معظم الاقتصاديين الذين تحدثوا إلى بلومبيرغ عن هذا الرأي.
ويرى تيم كالين، الباحث الزائر في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، أن العجز السنوي في ميزانية السعودية قد ينخفض بنحو واحد في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.
واشترط في ذلك بلوغ متوسط إنتاج النفط السعودي حوالي 7.5 مليون برميل يوميا، واستقرت أسعار خام برنت في حدود 90 دولارا للبرميل.
وقبل اندلاع الحرب أنتجت السعودية نحو 10.3 مليون برميل يوميا خلال شهر فبراير. وكانت الحكومة نفسها قد توقعت أن يبلغ العجز المالي نحو 3.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026.
أما في بقية دول المنطقة فلا تزال الإمارات تتوقع تسجيل فائض في الموازنة خلال العام الحالي، بينما قد يتسع العجز المالي في قطر، وفقا لتقديرات محمد أبوباشا، الخبير الاقتصادي في شركة إي.أف.جي هيرميس في القاهرة.
◄ توقعات مجموعة غولدمان ساكس تُظهر حجم الضغوط التي تمارسها الحرب الجارية في المنطقة على اقتصادات دول الخليج
◄ توقعات مجموعة غولدمان ساكس تُظهر حجم الضغوط التي تمارسها الحرب الجارية في المنطقة على اقتصادات دول الخليج
ويوم الجمعة الماضي ثبتت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيفات الائتمانية لعدد من دول الخليج، من بينها السعودية وقطر.
وأشارت الوكالة إلى أن الاحتياطيات المالية الكبيرة والسياسات الاقتصادية المرنة التي تتبعها هذه الدول من المرجح أن تساعدها في التعامل مع التحديات الناجمة عن الحرب.
ولتخفيف الضغوط المالية قد تلجأ حكومات الخليج بشكل متزايد إلى الاقتراض من أسواق الدين الدولية. غير أن مستثمري السندات لا يبدون حاليا قلقا كبيرا بشأن تداعيات الصراع، بحسب ما أشار إليه فادي جندي، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة أرقام كابيتال.
وأوضحت رزان ناصر، محللة الشؤون السيادية في شركة تي رو برايس التي تدير أصولا عالمية تبلغ قيمتها نحو 1.7 تريليون دولار، أن المستثمرين في أسواق السندات يدركون حجم القوة المالية التي تتمتع بها هذه الدول، إلى جانب سجلها السابق في إدارة الصدمات الاقتصادية بكفاءة.



