يسعى لبنان إلى حجز مكان له في مسار التحوّلات الإقليمية، لا سيّما التي تشهدها سوريا وتركيا والعراق. وهذه الدول الثلاث تشهد إطلاق مشاريع اقتصادية وتطوير لمشاريع كانت موجودة، بهدف الإسهام في التنمية الاقتصادية. ويعمل لبنان على تطوير بنيته التحتية لجذب المستثمرين واللحاق بالتحولات الاقتصادية التي تواكب التحوّلات السياسية. ومن ضمن البنية التحتية، استكمال بناء وتطوير خطوط الأوتوستراد العربي وتطوير تصميم سكة حديد طرابلس – العبودية.
لكن الخطوات التي وصلت إليها السلطة السياسية حتى الآن، والإمكانيات المالية التي تملكها الدولة، والآمال المعقودة على جذب المستثمرين، والتوقّعات المنتظرة من مشاريع البنية التحتية تلك، لا تسير بخطٍّ متوازٍ ولا تضمن تنفيذ المشاريع أو تحقيق الغايات المنشودة اقتصادياً. وعليه، قد يتوهّم لبنان دوراً إقليمياً تحت مظّلة الاوتوستراد العربي وسكة الحديد.
استكمال الأوتوستراد
في ستينيات القرن الماضي كان لبنان محطة ربط أساسية في المنطقة، وخصوصاً على المستوى الاقتصادي. فكان نقطة محورية لربط الدول العربية بأوروبا والعالم. ولتنشيط الحركة الاقتصادية وتطوير دوره، ظهرت فكرة إنشاء الأوتوستراد العربي الذي تتوزّع جهاته من بيروت باتجاه الشمال إلى الحدود السورية ومن بيروت باتجاه البقاع نحو الحدود السورية، ومن بيروت نحو الجنوب وصولاً إلى الناقورة، وفي القسم الجنوبي، كان يفترض بالأوتوستراد أن يتفرّع في منطقة قانا باتجاه بنت جبيل ومنها نحو مرجعيون فالبقاع، ليلتقي بالخط المتّجه نحو منطقة المصنع.
لكن الحرب الأهلية أوقفت المشروع، ليعاد استكمال المشروع بدءاً من العام 1994، وتنفيذ أجزاء كبيرة من. ومع ذلك، لم تكتمل كافة أجزاء الأوتوستراد. على أنّ الأدوار الاقتصادية التي تُرسَم في المنطقة، أعادت إلى الواجهة مشروع استكمال الأوتوستراد وتطويره، لا سيّما رفده بـ”نفق الأزهر” في منطقة ضهر البيدر على طريق بيروت – البقاع، والذي رفعت وزارة الأشغال العامة والنقل، لأجله، إلى مجلس الوزراء مشروع مرسوم يقضي بالموافقة على تحويل اعتماد بقيمة 7.7 ملايين دولار من موازنة الوزارة إلى مجلس الإنماء والإعمار، بهدف استكمال تنفيذ أشغال نفق الأزهر، أحد المكونات الأساسية لمشروع الأوتوستراد العربي.
ويمكن لمشروع الأوتوستراد العربي وما يتكامل معه من مشاريع بنى تحتية، أن يضع لبنان وسط المشاريع التي تختمر في الدول المحيطة، ومنها على سبيل المثال الممر التركي السوري الخليجي، ومن الممكن للبنان أن يلتحق بهذا المسار مع تسريع وتسهيل ربط المناطق اللبنانية بالحدود السورية. وأيضاً، تمتد إفادة لبنان من المشاريع الإقليمية وصولاً إلى العراق، وتحديداً عبر تطوير مشروع خط النفط كركوك بانياس. وعليه، فإنّ تطوير خط النقل المتمثّل بالأوتوستراد العربي ورفده بخط سكة الحديد ونفق باتجاه الشمال، يشكّل خطوة إيجابية.
نظرة إلى المال العام
ومع ذلك، قد لا تكون الأمور بهذه السهولة، فالعراقيل موجودة على أكثر من مستوى، منها الإمكانية والقرار. فليست كل المناطق اللبنانية مرحّبة بالصيغة الحالية للأوتوستراد. وعلى سبيل المثال، يعارض أبناء منطقة الكحّالة مرور الأوتوستراد في منطقتهم لأنّه يهجّر جزءاً منهم ويقضي على مصالحهم ومؤسساتهم الاقتصادية الموجودة حالياً. لكنّهم لا يعارضون فكرة الأوتوستراد بحدّ ذاتها، أي فكرة وجود طريق يصل إلى الحدود السورية.
كما أنّ “طبيعة التربة في أكثر من منطقة من مسار الأوتوستراد، غير صالحة لاستكماله بمساره الحالي”، وفق أحد المهندسين المدنيين، الذي يشير في حديث لـ”المدن”، إلى أنّ “مَن يعملون اليوم على استكمال مشروع الأوتوستراد العربي، يظنّون أنفسهم في قمّة القدرة على التخطيط والتنفيذ، لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك، فالطبيعة وإمكانيات لبنان المادية والسياسية، لا تساعد”. وبالتالي، فإنّ “استكمال الأوتوستراد بالمراكمة فوق البنية التحتية الموجودة حالياً، أمر خطير، ويعكس كيف تنظر الطبقة السياسية للمال العام والخدمات العامة، أي بعين الهدر والفساد، وهذا يصبّ في مصلحة المقاولين المستفيدين من هذا النوع من المشاريع”.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي خليل جبارة، أنّ الأوتوستراد العربي على أهميته الاقتصادية والخدماتية للبلد والناس، إلاّ أنّه “صورة عن هدر المال العام وكيف تنظر الطبقة السياسية للمال العام”. ويلفت جبارة النظر خلال حديث لـ”المدن”، إلى أنّ إحدى أهم عراقيل استكمال الأوتوستراد هي الاستملاكات. فالدولة “دفعت قيمة استملاكات الأراضي في أكثر من منطقة ليمرّ فيها الأوتوستراد ولم تستكمله، وهذا ما حصل في مشاريع أخرى مثل سد بسري، وهذا هدر للمال العام، في حين أنّ المشاريع لم تستكمل. فهل ستدفع الدولة أكلافاً إضافية على الاستملاكات؟. كما أنّ مشكلة مرور الأوتوستراد بمنطقة الكحالة لا زالت بلا حل”. ويضيف جبارة أنّ المنطق الذي تنظر فيه السلطة السياسية للمشاريع التنموية “لا تنفصل عن الشعبوية، على حساب التطوير العمراني للطرقات والمدن، وهذا ما دفع إلى مرور الأوتوستراد بمدينة صيدا”.
سكة الشمال
بالتوازي مع العمل على استكمال الأوتوستراد العربي، يحاول لبنان إحياء خط سكة الحديد وتحديداً على خط طرابلس – العبودية. وبرز ذلك من خلال توقيع وزير الأشغال فايز رسامني، في أيار الماضي، وثائق المناقصة الخاصة بمشروع تحديث وتصميم خط سكك الحديد الذي سيساهم بحسب رسامني في “تنشيط الحركة التجارية وتطوير قطاع النقل، ودعم الاقتصاد الوطني وتحسين البنية التحتية للنقل في لبنان”.
الإيجابية التي يراها رسامني، لا تتوافق مع ما يراه جبارة الذي يؤكّد أنّ “كلام المسؤولين السياسيين في ما يتعلّق بالمشاريع والبنى التحتية تقوم على فكرة لم تعد صالحة اليوم، وهي أنّ لبنان يربط الشرق بالغرب. ولبنان اليوم ليس لديه بنى تحتية تواكب التطوّرات الاقتصادية وحركة المشاريع والاتفاقات التي تشهدها دول المنطقة. ولذلك، فإنّ الوعود والمشاريع غير المنجزة لا تفيد”.
سكة حديد الشمال ضرورية نظراً لفائدتها الاقتصادية، لكنّها كما استكمال الأوتوستراد العربي “تحتاج لقرار سياسي أكثر من الإمكانيات المادية في الوقت الراهن، لأنّ القرار يعكس القدرة على مواكبة التحوّلات في المنطقة، وهذا ما فعلته سوريا اليوم، التي لا تملك الكثير من الإمكانيات المالية، لكنّها تملك القرار، أي القدرة على الفعل، وهو ما شجّع تركيا والعراق ودول الخليج على التعاون معها، وهذا بدوره يجذب الاستثمارات لتنفيذ المشاريع، وهو ما يفتقده لبنان اليوم. وهذا الواقع يعني أنّ لبنان غير مؤهّل للاستفادة من فرص المنطقة المحيطة”. على أنّ سكة الحديد تبقى مفيدة للحركة الاقتصادية في الداخل اللبناني، وتؤسّس للإفادة من التحوّلات الاقتصادية في المنطقة، متى بات لبنان قادراً على حسم قراراته السياسية.
ضعف الدور الإقليمي
ينتظر لبنان المشاركة في الحركة الاقتصادية الإقليمية، وهذا ما يشكّل دافعاً لتسريع إنجاز مشاريع البنى التحتية للمواصلات، من الأوتوستراد العربي إلى سكة حديد الشمال. لكن هل يسأل أصحاب القرار في لبنان، ما الذي سيجعل لبنان جاذباً لحركة البضائع والمشاريع التي ستمرّ بين الخليج والعراق والأردن وتركيا وسوريا، ومن وإلى أوروبا؟. فالبضائع التي ستمرّ على هذه الخطوط، لماذا ستمرّ بلبنان؟ ولماذا ستصل إلى مرفأ بيروت أو مرفأ طرابلس؟.
الإجابة بحسب جبارة لا تقتصر على الجغرافيا، أي “القول فقط بأنّ مرفأ بيروت أقرب إلى دمشق، ومرفأ طرابلس أقرب إلى حمص”، بل إنّ للقدرة على الفعل المرتبط بالقرار السياسي والاندماج في المتغيّرات الإقليمية والدولية، أهمية كبرى في مسار التحوّلات في المنطقة. وبالتالي، فإنّ ضعف دور لبنان في المحيط الإقليمي “لا يسعفه إعادة تدوير الأفكار القديمة المتعلّقة بأن لبنان صلة وصل أو محور ربط إقليمي”. على حدّ قول جبارة.
وعلى أرض الواقع، فإنّ التوافق السياسي على مستوى سوريا وتركيا والعراق والسعودية وقطر، يجعل من سوريا صلة وصل في المنطقة، خصوصاً بفعل حدودها التي تربطها مع تركيا والعراق والأردن. وتترجَم هذه النقطة الإيجابية لصالح سوريا، من خلال اعتبار البنك الدولي أنّ إعادة تأهيل سكك الحديد السورية مشروعاً مهماً للمنطقة. ولذلك، فإنّ سكة حديد طرابلس – العبودية، تساهم في تعزيز النشاط الاقتصادي اللبناني وربط لبنان بسوريا، لكنها لا تنفكّ عن النتائج الإيجابية التي يفترض بلبنان تحقيقها لتقوية دوره الإقليمي، والتي لا تنفصل عن الدور السياسي الممهّد للدور الاقتصادي.
لبنان أمام مرحلة مفصلية بين حجز مكان له في التحولات الاقتصادية في المنطقة، والتي تسهّلها عملية تجديد وتأهيل شبكة المواصلات، وبين الابتعاد عن أي دور فاعل. وهذا مرهون بجملة من الأمور، على رأسها القرار السياسي المواكب للرؤية الاقتصادية طويلة الأمد، وبطء الحركة وسط التحوّلات السريعة في دول الجوار. ولا تنفصل هذه التحديات عن عدم الخروج من الأزمة المصرفية والمالية، وكذلك ضعف القدرة على تمويل مشاريع البنى التحتية أو استقطاب المستثمرين. وأيضاً، لبنان لا يزال ضعيفاً على المستوى الإداري الداخلي المواكب لما تفرزه تطوير شبكة النقل واستقطابها للاستثمارات. فالعوائق الجمركية وبطء العمل الإداري لا ينسجمون مع مشاريع تطوير شبكات النقل. وأيضاً، فإنّ دخول لبنان على خط حركة النقل الإقليمية، يعني وضع نفسه في منافسة مع دول الجوار، في حين أنّ قدراته السياسية والاقتصادية غير ملائمة للمنافسة. أما عدم الاستقرار الأمني، فهو عامل حاسم في زيادة المخاطر وإبعاد الاستثمارات. وهذه العوامل وغيرها، تُبعِد لبنان عن أي دور إقليمي، حتى لو حسَّنَ بعض خطوط النقل على أراضيه.



