يُعدّ العجز التجاري المُزمن الذي يعاني منه لبنان أحد أساسيات الاقتصاد السياسي للبلد، إذ إن الدورة الاقتصادية أصبحت مُدمِنة على التدفّقات المالية من الخارج، ولا سيّما التحويلات، لتغطية النزيف الذي يُحدِثه العجز التجاري في العملات الأجنبية. لذا، لا يمكن معالجة هذا التشوّه الاقتصادي من دون تصحيح الاختلال البنيوي، وهذا يبدأ بتوسيع القاعدة الإنتاجية ولا ينتهي بتأمين أسواق تصريف للإنتاج الإضافي بهدف تأمين مصدر أكثر استدامة للعملات الأجنبية. في هذا السياق، تشير منظمة «إسكوا» إلى نقطة ضعف التجارة اللبنانية مع الاتحاد الأوروبي كباب لتحسين وضع التصدير اللبناني الذي يجد صعوبة في التوسّع.
تكشف ورقة صادرة عن الإسكوا، بالتعاون مع مركز العمل السياساتي في الجامعة اللبنانية الأميركية، مفارقة أساسية في علاقة لبنان التجارية مع الاتحاد الأوروبي. فمنذ توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، يملك لبنان وصولاً تفضيلياً إلى واحدة من أكبر الأسواق في العالم، إلا أن صادراته إليها بقيت هامشية، فيما استمرت أوروبا بأن تكون مصدراً رئيسياً للسلع الواردة إلى لبنان. بمعنى آخر، فُتح الباب تجارياً، لكنّ الاقتصاد اللبناني لم يكن مُجهّزاً للعبور منه.
الأرقام التي يعرضها التقرير تلخّص حجم الفشل. فالصادرات اللبنانية لا تزال تدور حول 3.5 مليارات دولار، في مقابل واردات أعلى بكثير، ما أبقى العجز التجاري بنيوياً. في عام 2024، بلغ العجز التجاري في لبنان نحو 14.2 مليار دولار. أمّا في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تحديداً، فقد بلغ حجم التبادل التجاري نحو 5.5 مليارات يورو، لكنّ صادرات لبنان إلى أوروبا لم تتجاوز 0.52 مليار يورو، أي إن العجز بلغ نحو 5.4 مليارات يورو، ما يعني أن العلاقة التجارية لا تزال، في جوهرها، علاقة استيراد لا تصدير، فحجم العجز التجاري مع أوروبا يساوي 38% من مجمل العجز التجاري للبنان.
هذه المفارقة لا تتعلّق بالرسوم الجمركية وحدها. فالتقرير يشير إلى أن اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي أزالت جزءاً كبيراً من العوائق الجمركية أمام الصادرات اللبنانية، لكنها لم تعالج ما يسمّيه التقرير العوائق «داخل الحدود»، أي العوائق المحلية، مثل ضعف المنافسة، ارتفاع كلفة الإنتاج، غياب البنية التحتية اللوجستية، محدودية القدرة الإنتاجية، وضعف منظومة المعايير والفحوصات وشهادات المطابقة. لذلك، لم تتحوّل الامتيازات التجارية إلى قدرة فعلية على التصدير.
المقارنة مع دول أخرى تضع لبنان أمام صورته بوضوح أكبر. ففي عام 2023، بلغت صادرات لبنان إلى الاتحاد الأوروبي نحو 0.73 مليار يورو فقط، في مقابل 23.4 مليار يورو للمغرب، و95.9 مليار يورو لتركيا. الفارق هنا يُفسَّر بطبيعة اندماج هذه الدول في سلاسل الإنتاج الأوروبية. تركيا دخلت في قطاعات السيارات والآلات والإلكترونيات والنسيج. والمغرب بنى موقعاً متقدّماً في السيارات، المكوّنات، الصناعات الغذائية، النسيج، والطاقة المتجدّدة. أمّا لبنان فبقي في موقع اقتصاد صغير، عالي الكلفة، ضعيف الصناعة، ومحدود القدرة على تلبية متطلّبات الأسواق الأوروبية.
يحدّد التقرير أربعة قيود أساسية تكبّل الصادرات اللبنانية. الأول هو كلفة النقل واللوجستيات. فضعف المرافئ، كلفة الشحن، التعقيدات الجمركية، ورداءة البنية التحتية تجعل المنتج اللبناني أغلى قبل أن يصل إلى السوق الخارجية.
والثاني هو ضعف التنافسية السعرية، الناتج من ارتفاع كلفة الطاقة والتمويل والإدارة، ومن بنية سوقية يغلب عليها التركّز الاقتصادي والاحتكار. فحين تسيطر قلة من الشركات على قطاعات واسعة، يصبح خفض الكلفة وتحسين الإنتاجية أقلّ إلحاحاً.
أمّا القيد الثالث فهو محدودية القدرة الإنتاجية، إذ إن الصناعة والزراعة في لبنان تتكوّنان غالباً من مؤسسات صغيرة ومُجزّأة، لا تمتلك الحجم أو التكنولوجيا أو الإدارة اللازمة لتلبية شروط المشترين الأوروبيين. فالتصنيع شكّل نحو 1.43% فقط من الناتج المحلي في عام 2021، وهو رقم يعكس ضمور القاعدة الصناعية أكثر مما يعكس أزمة ظرفية.
القيد الرابع هو ضعف منظومة الجودة والمعايير. فالدخول إلى أوروبا لا يتطلّب منتجاً جيداً فقط، إنما يتطلب شهادات مطابقة، مختبرات معتمدة، فحوصات، تغليفاً، سلامة غذائية، ومعايير صحية وفنية دقيقة. في لبنان، يؤدّي ضعف هذه المنظومة إلى اضطرار المصدّرين إلى الاستعانة بشهادات وفحوصات خارجية، بكلفة أعلى ووقت أطول.
من هنا، تقترح الإسكوا مساراً عملياً، وهو ألّا يحاول لبنان دخول السوق الأوروبية وحده، بل عبر الاندماج التدريجي في سلاسل قيمة إقليمية قائمة، خصوصاً من خلال المغرب وتركيا. الفكرة ليست أن ينافس لبنان هذه الدول، بل أن يستخدم موقعها وشبكاتها الإنتاجية واللوجستية والمعيارية كبوابات غير مباشرة إلى أوروبا. يمكن أن يحصل ذلك عبر إنتاج مشترك، توريد مدخلات وسيطة، تصنيع تعاقدي، أو الاستفادة من قواعد المنشأ التراكمية ضمن أطر مثل اتفاقية أغادير واتفاقية«Pan-Euro-Mediterranean» .
لكنّ هذا الطرح، رغم واقعيته، يفتح سؤالاً سياسياً اقتصادياً أوسع. فهل يكون الحل في أن يصبح لبنان مورّداً صغيراً داخل سلاسل إنتاج يقودها الآخرون؟ أم أن هذا المسار يجب أن يكون مرحلة انتقالية لبناء قدرة إنتاجية محلية أوسع؟ التقرير يميل إلى الواقعية. ففي ظل ضعف الدولة، مقاومة الإصلاحات، والقيود البنيوية، قد يكون الاندماج غير المباشر أسرع من انتظار إصلاح شامل. لكنّ هذه الواقعية لا تلغي أن أي تحسن مُستدام يحتاج إلى كسر الاحتكارات، خفض كلفة الطاقة والنقل والتمويل، تفعيل قانون المنافسة، وبناء منظومة جودة تسمح للمنتج اللبناني بأن يُعامل كمنتج قابل للتصدير.
خلاصة التقرير أن لبنان لا يحتاج فقط إلى اتفاقيات تجارية جديدة، بل إلى اقتصاد قادر على استخدامها. فالسوق الأوروبية مفتوحة جزئياً، لكنّ المنتج اللبناني يصل إليها مُثقلاً بالكلفة، وضعف المعايير، وضيق القدرة الإنتاجية. لذلك، فإن طريق لبنان إلى أوروبا يبدأ من المرفأ، والمصنع، والمختبر، وقانون المنافسة، وكلفة الكهرباء. خطوة كهذه، تحتاج إلى جدّية من قبل السلطة التنفيذية اللبنانية، خصوصاً لناحية الاتفاقيات التي يمكن العمل عليها مع الدول الإقليمية لضمان الدخول في سلاسل القيمة العالمية، ومن ثم التخطيط المحلي لضمان القدرة على الدخول في هذه السلاسل من خلال استغلال نقاط القوة الاقتصادية.



