التدقيق الجنائي يتوسّع: «أوبتيموم» بعد «فوري»

0

قانوناً، ما الذي يمكن استنتاجه من التدقيق الجنائي الذي أنجز تقريره الأولي، وما هي المسؤوليات التي يرتّبها على الحاكم السابق لمصرف لبنان وأعوانه، وأيّ تعديلات يجب إجراؤها على قانون النقد والتسليف، وهل يمكن إقرار قانونَي إعادة هيكلة المصارف وإعادة التوازن المالي من دون إنجاز التدقيق المالي في المصارف؟

هذه الأسئلة كانت مدار نقاش في جلسة لجنة المال والموازنة النيابية التي عُقدت أمس، وتحدّث خلالها الحاكم بالإنابة وسيم منصوري الذي أبلغ النواب أنه سلّم القضاء كل الوثائق التي تدور حولها شبهات. واتّضح أن بعض هذه الوثائق يتعلق بشركة «أوبتيموم» التي يرتبط اسمها بمساعد رياض سلامة الأقرب رجا أبو عسلي. علماً أن الشركة مملوكة من أنطوان سلامة وإيلي واكيم وروجيه لطيف ورولا حبيس. وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان قرّرت رفع السرية المصرفية عن الحسابات والتحويلات في كل ما يتعلق بهذه الشركة والأشخاص المتصلين بعملها، وأرفقت قرارها بملف الشركة المرسَل إلى القضاء تمهيداً لبدء التحقيقات.

في المجلس، كان هناك اتفاق بين اللجنة ومنصوري على أن المعطيات التي وردت في تقرير التدقيق الجنائي لا معنى لها من دون الاطّلاع على السند القانوني للعمليات التي جرى التدقيق فيها. فعلى سبيل المثال، إذا كان مصرف لبنان قد نفّذ هندسات مالية بقيمة حدّدها التقرير بنحو 115 تريليون ليرة، فهل كانت هذه العمليات متوافقة مع قانون النقد والتسليف، وما هو الجرم أو الخطأ فيها؟. ورأى معنيون أنه كان يُفترض أن تقدّم الشركة «أدلة جنائية» وليس تقريراً محاسبياً يدلّ على الأرقام، لأن التدقيق الجنائي هو عبارة عن أدلّة تسهم في تحديد المسؤوليات، وتربط العمليات بمخالفات أو توثّق شرعيتها، ولا سيما أن الشركة «حصلت على كل ما تريده من وثائق، بعد معركة في المجلس المركزي لمصرف لبنان» كما قال منصوري أمام اللجنة.

بالتالي، تبيّن من النقاشات في اللجنة أن الإثباتات التي قدّمها التقرير على الجبهة التقنية – المالية، ستكون لها جدوى أفضل إذا وردت في سياق قانوني واضح. وبالتالي يصبح التعامل مع خسائر النظام المالي أكثر وضوحاً إذا كان الأمر موثّقاً بهذا الشكل. واستنتج رئيس اللجنة وأعضاؤها أنه لا يمكن إقرار قانونَي إعادة هيكلة المصارف وإعادة التوازن المالي من دون إنجاز مسألة أساسية تتعلق بالتدقيق المالي في المصارف، ما يتطلّب تأمين مبلغ إضافي يصل إلى 6 ملايين دولار. فالمطلوب في ما يتعلق بالتدقيق المالي بالمصارف، لا ينحصر في ما يريده صندوق النقد الدولي لتحديد حجم وقيمة الخسائر في البنود الأساسية للمصارف الـ14 الأكبر حجماً، إنما يتطلب الأمر تقييماً شاملاً لكل المصارف لمعرفة أيّ منها يمكنه الاستمرار، وأيّ منها اعتباره في حالة شطب، لأن الخسائر المترتبة على المصارف، لجهة مراكز القطع سلبية بما يفوق 7 مليارات دولار، وهناك أرقام هائلة لجهة كيفية تعامل المصارف مع توظيفاتها لدى مصرف لبنان وانعكاس ذلك على ودائع الزبائن. وبالتالي فإن ما يرد في الخطّة الحكومية لجهة إعادة الودائع ضمن سقف 100 ألف دولار لكل وديعة يصبح أمراً مبالغاً فيه، إذ أشار منصوري إلى أن «كلفته 36 مليار دولار»، وبالتالي من أين ستأتي المصارف بهذا المبلغ؟

وبناءً عليه، فإن الجميع، ينتظر أن تبادر وزارة المالية إلى مناقشة الشركة الأجنبية وتحديد المستوى الجديد من عملها، ودفعها لأن تتحول تقاريرها إلى عناصر يمكن الاستفادة منها في أي تحقيق قضائي في كل الشبهات المتصلة بعمل مصرف لبنان أو المصارف في لبنان.

لجنة المال: قيمة تقرير «ألفاريز ومارسال» باستخدامه قضائياً

لم تكُن المعطيات الواردة في تقرير التدقيق الجنائي في مصرف لبنان مجهولة بالنسبة إلى أعضاء لجنة المال والموازنة. في اجتماع أمس، ناقشت اللجنة تقرير شركة «ألفاريز ومارسال»، ووجدت أن التقرير هو توثيق للانتهاكات القانونية والمالية، لكن لن يكون له أثر ما لم يُستتبَع بمسار قضائي وقانوني حقيقي. هذه هي خلاصة المداولات بين النواب وحاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، بحضور وزيرَي العدل هنري خوري والمال يوسف خليل، ونتجت عنها التوصيات الآتية:

– استكمال التدقيق الجنائي في الجوانب التي ذكرها التقرير ولم يصل فيها إلى خلاصات واضحة لتحديد الفجوة المالية وإنجاز عملية الحوكمة لتمكين المجلس النيابي من السير في موضوع القوانين المطروحة المتصلة بالودائع.

– مواكبة عمل القضاء وتوفير الإمكانات التقنية والمادية له.

– التدقيق في حسابات المصارف والدولة بكلّ قطاعاتها لاستكمال مسار إقرار قانون إعادة التوازن المالي وإعادة هيكلة المصارف.

– الدعوة إلى اجتماع الأسبوعَ المقبل بحضور الحاكم بالإنابة بموضوع القانونين المذكورين، علماً أنّ موضوع إعادة الهيكلة سحبته الحكومة لتناقشه مع صندوق النقد ولها ملاحظات عليه.

ملاحظات النواب ركّزت على أن «قيمة التقرير الجنائي تكمن في استتباعه بمسار قضائي قانوني يحدّد المسؤوليات ويفتح باباً للمحاسبة». وقالت مصادر نيابية إنه فُهِم من كلام منصوري أن التقرير الجنائي تنقصه بعض المعطيات لأنه لم يحدّد المسؤوليات وأن الشركة يجب أن تُسأل عن هذه النقطة. وأبلغ منصوري النواب بعدم صحة الكلام عن عدم حصول الشركة على كل المعلومات والأرقام المطلوبة، لأن أحد الشروط التي وضعتها سابقاً للمباشرة بعملها هو «اكتمال المعطيات»، وبالتالي فإن إنجازها التقرير يعني أنها حصلت على كل المعطيات التي كانت تحتاج إليها.

وأضافت المصادر أن «التقرير يفتقد لتحديد المسؤوليات، حيث هناك أرقام كثيرة مذكورة لم يُعلن بوضوح عن الجهات التي استفادت منها». وبينما يذكر التقرير معلومات متصلة بعلاقة المصرف المركزي مع الدولة ثم الهندسات المالية، اعتبر بعض النواب في نقاشاتهم أن «هناك شقاً في التقرير يُمكن أن تترتب عليه متابعة قضائية وهو المتعلق بالاستفادة الشخصية لبعض الجهات بطرق غير مشروعة، عبر تبييض الأموال أو التحويلات المالية أو استغلال النفوذ».

كان لافتاً خلال الجلسة وجود شكوك لدى النواب من الخطوة التي قامت بها النيابة العامة التمييزية بتوزيع الملفات على أكثر من جهة قضائية. وردّ عليها وزير العدل بالقول إن «الأمر طبيعي لأنه يدخل في صلب صلاحياتها ومسؤولياتها»، مشيراً إلى أن «النيابة العامة لا تستطيع الادّعاء بل تقوم بتحويل الملفات إلى النيابات العامة التي تقوم بدورها في الادّعاء». واستغرب وزير العدل اتهام النواب القضاءَ بالتقصير، قائلاً: «دعوا القضاء يأخذ وقته»، لكن أعضاء اللجنة استندوا في اتهاماتهم إلى التجارب السابقة في عدة ملفات «لم نصل فيها إلى نتيجة».

ومن جملة الأسئلة التي طرحها النواب على منصوري، كانت أسئلة عن فائض العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان الذي انخفض إلى حوالي 50.7 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2020، فأين ذهبت الأموال وكم يبلغ رصيد هذا الحساب بعد عملية التسلّم والتسليم التي جرت في 31 تموز 2023؟ كما سأل النواب عمّا إذا كانت إدارة المصرف ولجنة الرقابة على المصارف قادرتين على تزويد القضاء بالمعلومات اللازمة لتحديد المستفيدين من الهندسات المالية ولا سيما المتعلقة بمنح تسهيلات مالية ميسّرة للمصارف يعاد توظيفها لدى مصرف لبنان بفوائد عالية. فيما ركّز نواب «التغيير» على الجانب السياسي، معتبرين أن «كل ما ذكره التقرير من تجاوزات لا يعني حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة وحده، إنما تُعد المنظومة السياسية شريكة فيه».

وبينما أشار التقرير إلى انعدام الرقابة الداخلية (المجلس المركزي) والرقابة الخارجية (مفوّضية الحكومة لدى مصرف لبنان) على أعمال المصرف التي مارسها الحاكم، اعتبر النواب أن «الإدارة الحالية مطالبة ببيان ما قامت به خلال السنوات اللاحقة للفترة المشمولة بالتدقيق الجنائي، لوضع الأمور في نصابها السليم، وما ستتخذه من إجراءات في المستقبل».

وأعلن رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان، أن «على التدقيق الجنائي أن يُستكمل في مصرف لبنان وأن يشمل هو أو من خلال شركة تدقيق دولية موجودات المصارف وهو ما كان يجب أن يتم منذ عام 2019 عقب الانهيار المالي». وأشار في مؤتمر صحافي بعد اجتماع اللجنة إلى «أننا سنواكب المسار القضائي في ملف التدقيق الجنائي وقد قرعنا جرس الإنذار منذ عام 2010 من خلال الرقابة البرلمانية التي أوصلت إلى 27 مليار دولار من الأموال غير معروف كيفية صرفها وديوان المحاسبة لم يصدر القرار بشأنها».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here