التدقيق الجنائي ينطلق: بداية انكشاف أكبر سرقة بالتاريخ

0

إن لم يطرأ ما ليس في الحسبان، من المفترض أن تتخذ شركة آلفاريز آند مارسال خلال هذا الأسبوع قرارَ مباشرةِ العمل بمسار التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، حسب العقد الموقّع مع وزارة الماليّة اللبنانيّة. وهو ما سيفرض على الشركة تعبئة الفريق المخصص لهذه المهمّة، وتخصيص وقته على مدى 12 أسبوعًا لإنجاز التقرير الأولي. وإذا سار كل شيء على ما يُرام، من المتوقّع أن تُسلّم الشركة التقرير الأوّلي في منتصف شهر أيلول المقبل، على أن يبقى فريق عمل الشركة حاضرًا لمدّة أسبوعين إضافيين، لتلقّي ملاحظات وزارة الماليّة واستفساراتها، وتعديل التقرير الأوّلي على هذا الأساس. وبذلك، سيكون من المرتقب أن يبقى فريق عمل آلفاريز آند مارسال في العاصمة بيروت لغاية نهاية شهر أيلول، على أقل تقدير.

إدارة فريق العمل

خلال هذه المدّة، سيعمل فريق الشركة تحت إدارة كل من جايمس دانيل وبول شرما، وكلاهما من مدراء الصف الأوّل في الشركة، المتخصصين في مجالات مكافحة الجرائم الماليّة وإدارة المخاطر والنزاعات في عالم الأعمال.

شرما كان قد عمل لمدّة تسع سنوات في شركة كرول، الرائدة عالميًّا في مجال التدقيق الجنائي، حيث ترأّس هناك فريق التحقيقات الماليّة في منطقة الشرق الأوسط، قبل أن ينقل خبرته لاحقًا إلى شركة آلفاريز آند مرسال. ومنذ ذلك الوقت، أمضى شرما 13 سنة في قسم التحقيقات والنزاعات الماليّة في فرع شركة آلفاريز آند مارسال في دبي، حيث قدّم من خلال الشركة خدماته الاستشاريّة لحكومات وشركات مختلفة في الإمارات والسعوديّة والبحرين وقطر ولبنان وباكستان ومصر والهند. أمّا أبرز الملفّات التي استلمها في الشركة، فكانت تقديم خدمات التدقيق الجنائي للمدعي العام البحريني، للتحقيق في فضيحة إفلاس مصرفين محليين، تخلّلها تتبّع لعمليات تبييض أموال قُدّرت قيمتها بمليارات الدولارات. كما عمل شرما على ملف إفلاس بنك كابول في أفغانستان، وتتبّع أمواله المنهوبة بعد عمليّة إنقاذ مصرفي قُدّرت قيمتها بمليار دولار.

أمّا دانيال، فيعمل كإداري ضمن فريق الخدمات الماليّة في شركة آلفاريز في لندن، حيث انضم إلى الشركة بعدما ترأس لسنوات طويلة هيئة التنظيمات الاحترازيّة في المملكة المتحدة، التي يتركّز عملها على إدارة المخاطر ووضع التدابير الإداريّة والرقابيّة الكفيلة بالحؤول دون وقوع الجرائم الماليّة داخل المؤسسات الماليّة والشركات الكبرى. وكحال شرما، تركّز تخصّص دانيال داخل آلفاريز على تتبّع الجرائم الماليّة، لكن مع خبرة إضافيّة في كل ما يتعلّق بأطر الحوكمة الداخليّة وتنظيمات الامتثال ومكافحة تبييض الأموال. وهكذا، سيكون بإمكان دانيال إعطاء التقرير الأوّلي الأبعاد المتعلّقة بدراسة آليّات اتخاذ القرار داخل مصرف لبنان، ومدى انطواء العمليّات موضوع التدقيق على تجاوز لهذه الآليّات والتنظيمات، بل وحتّى البحث عن الثغرات الموجودة في التنظيم الداخلي للمصرف، والتي سمحت ببعض التجاوزات التي ترتّبت عليها خسائر ماليّة كبيرة. كما سيكون بإمكان دانيال إعطاء التوصيات المرتبطة بكيفيّة معالجة هذه الثغرات، أو منع حصول المخالفات في المستقبل.

هذا ما سيكشفه التدقيق الجنائي

وفقًا لآخر صيغ عقد التدقيق الجنائي بعد تعديله، والتي على أساسها ستتم عمليّة التدقيق من الآن ولغاية منتصف أيلول، من المفترض أن تتركّز تحقيقات الشركة خلال الأسابيع الـ12 المقبلة على المسائل التالية:

– تحليل تركيبة التزامات وموجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبيّة.

– دراسة التحوّلات التي طرأت على تركيبة إلتزامات المصرف المركزي وأصوله خلال السنوات الماضية، بما يعني تحليل أسباب تراكم الخسائر في الميزانيّات.

– مراجعة أسباب تراكم النفقات والإلتزامات داخل ميزانيّة المصرف المركزي، لكشف أي عمليّات تخفي خلفها أهداف غير تلك المذكورة في السجلات المحاسبيّة.

– تحديد أي إجراءات محاسبيّة مشبوهة يمكن أن تخفي إساءة متعمّدة في تسجيل العمليّات الماليّة أو نمطاً من أنماط التحايل.

– البحث في إمكانية استفادة أشخاص أو شركات معيّنة من أموال عامّة أو دفعات معيّنة بغير وجه حق.

– البحث في أكلاف العمليّات الماليّة، وإمكانيّة وجود تضخيم متعمّد ومشبوه في هذه الأكلاف لمصالح مشبوهة.

– مراجعة آليّات إصدار سندات الدين السيادي وتداولها عبر مصرف لبنان.

– تحليل أكلاف ونمط عمليّات الهندسات الماليّة التي جرت منذ العام 2016.

– تصنيف الودائع الموجودة في القطاع المصرفي وتحليل حركة هذه الودائع، وخصوصًا في المرحلة التي شهدت الهندسات الماليّة وتدفّق أرباح الهندسات إلى القطاع المصرفي.

– تلخيص محافظ سندات الدين المملوكة من كل مصرف، وتتبع حركات هذه المصارف الماليّة في حساباتها لدى المصرف المركزي.

– تحليل حركة ودائع وقروض المؤسسات الماليّة غير المصرفيّة لدى مصرف لبنان.

وبعد التحقيق في كل هذه المسائل، من المفترض أن يشرع التدقيق الأوّلي بإعداد الخلاصات التي تبيّن:

– فعاليّة إجراءات الإمتثال والرقابة الداخليّة لدى مصرف لبنان، والثغرات الموجودة فيها.

– تقييم قدرة هذه الإجراءات على منع الجرائم الماليّة وحالات الإثراء غير المشروع.

– تقييم مدى ملاءمة هذه الإجراءات للمعايير العالميّة المعتمدة في المصارف المركزيّة حول العالم.

– وضع التوصيات الأوليّة في ضوء تقييم التدقيق الجنائي لهذه الإجراءات.

وبعد إنجاز التدقيق الأوّلي، ستقوم آلفاريز آند مارسال بتقديم تقريرها إلى وزارة الماليّة، على أن يبيّن التقرير بوضوح المخالفات الأساسيّة التي تمكنت الشركة من كشفها على نحو لا يقبل الشك. كما سيحدد التدقيق مكامن الشك في بعض المخالفات، التي لم تتمكّن الشركة من إثباتها، والتي تحتاج إلى مزيد من التعمّق في المستقبل. وللتعمّق في هذه الجوانب من التدقيق الأولي، ستحتاج الحكومة اللبنانيّة إلى توقيع عقود تدقيق جنائي جديدة مع آلفاريز آند مارسال، أو أي شركة تدقيق أخرى، للذهاب أبعد من نتائج التدقيق الأولي. بمعنى آخر، سيكون تقرير التدقيق الأولي الذي سيبصر النور في شهر أيلول مجرّد بداية الطريق، لكشف ما حلّ بأموال المودعين على مدى السنوات الماضية، والتي تعتبر أكبر سرقة بالتاريخ.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here