الرئيسية اقتصاد لبنان التضخّم يلتهم الدخل والشارع “يغلي”

التضخّم يلتهم الدخل والشارع “يغلي”

“الوضع لم يعد يحتمل”… “شو هالغلا”، “المصروف يفوق المدخول”… عبارات تتردد على ألسنة اللبنانيين، بعدما تحوّل الغلاء إلى الهمّ اليومي الأول، وباتت كلفة المعيشة تتجاوز قدرة كثير من الأسر على الاحتمال. تضخم يلامس 25 %، رواتب تتآكل قدرتها الشرائية، ودولة تعاني عجزًا ماليًا تبحث عن إيرادات إضافية من خلال الضرائب ومدّ يدها إلى جيب المواطن. ماذا بعد؟ كم تضخمت الأسعار؟ وكم يحتاج المواطن شهريًا لتأمين احتياجاته الأساسية؟ وكيف سيتمكن من الصمود في المدى المنظور؟

أسئلة كثيرة يطرحها اللبنانيون في ظل ارتفاع متواصل في كلفة الحياة، من أقساط المدارس والتأمين، إلى الإيجارات والطبابة، وصولًا إلى المصروف اليومي على المأكل والمشرب والنقل. ومع اتساع الفجوة بين المدخول والنفقات، يجد كثيرون أنفسهم أمام خيارات صعبة، تبدأ بالبحث عن عمل ثانٍ أو مصدر دخل إضافي، ولا تنتهي عند تقليص الاستهلاك والاستغناء عن بعض الضروريات. ومع بلوغ الضغوط المعيشية هذا المستوى، بدأ الشارع يتحرّك، مع إضراب مقرر يوم الأربعاء المقبل، في مؤشر جديد إلى حجم الاحتقان الاجتماعي المتراكم. فكيف تضخمت الأسعار بين شباط وآب؟

تضخّم كلفة المعيشة

من الوقود إلى المدارس والمطاعم، ارتفعت كلفة المعيشة على أكثر من جبهة خلال الأشهر السبعة الماضية، كما بيّنت إحصاءات جديدة محدّثة حصلت عليها “نداء الوطن” من مديرة الإحصاء المركزي، ماريا نالبنديان، عن الفترة المتراوحة بين شباط وآب 2026.

ويبيّن الجدول أن موجة ارتفاع الأسعار خلال 7 أشهر لم تقتصر على المحروقات والمواد الغذائية، بل امتدت إلى النقل والصحة والتعليم والثقافة والمطاعم والخدمات الشخصية، في مشهد يعكس اتساع دائرة البنود التي باتت تضغط على إنفاق الأسر والمواطن اللبناني.

احتلّ الوقود السائل  (البنزين، الديزل،الـfuel oil) المرتبة الأولى في السلع التي سجّلت أسعارها ارتفاعات، إذ زاد بنسبة 72.92 %، وهي النسبة الأعلى بين البنود الواردة في الجدول.

وتبع تلك المادة وقود وزيوت وسائل النقل الذي حلّق بدوره بنسبة 50.40 %، فيما سجل النقل البري ارتفاعاً بلغ 41.95 %. كما قفز النقل الجوي بنسبة 25.46 %، ومعه الخدمات الأخرى المتعلقة بوسائل النقل ( استئجار سيارات النقل من دون سائق، اشتراك موقفأو إيجار كاراج شهري) بنسبة 23.60 %.

وتكشف هذه الأرقام أن بند النقل لم يشهد ارتفاعاً في عنصر واحد فقط، بل شملت الزيادة الوقود والزيوت وخدمات النقل نفسها، إضافة إلى الخدمات المرتبطة بوسائل النقل وصيانتها (تصليح السيارة، حدادة وبويا، غيار زيت، غسيل سيارة)، التي ارتفعت بنسبة 15.52 %.

فاتورة الطاقة

على صعيد الطاقة المنزلية، ارتفع الاشتراك في مولد الكهرباء بنسبة 16.08 % بين شباط وآب، فيما سجل الوقود الصلب (الفحم الحجري، الحطب…) ارتفاعاً بنسبة 12.31 %. وبذلك، لا تظهر الزيادة في الجدول محصورة في المحروقات المستخدمة في وسائل النقل، بل تشمل أيضاً بنوداً مرتبطة بالطاقة المستخدمة في الحياة اليومية.

الغذاء: اللحوم في المقدمة

أما المواد الغذائية، فسجلت بدورها كما جاء في إحصاءات إدارة الإحصاء المركزي زيادات متفاوتة. فقد قفزت أسعار اللحوم بنسبة 13.71 %، والخبز والحبوب بنسبة 11.75 %. وكان لأسعار الزيوت والدهون (زيت نباتي، زيت زيتون، زبدة، طحينة، سمن) حصتها بارتفاع بنسبة 9.5 %، والفواكه 8.73 %، فيما زادت أسعار المياه المعدنية والمرطبات وعصير الفواكه والخضار 9.33 %.

وبالتالي، فإن الارتفاعات الغذائية الواردة في الجدول الصادر عن المركز نفسه تراوحت بين 8.73 % و 13.71 % بالنسبة إلى البنود الغذائية المدرجة.

الصحة

الصحة ليست خارج دائرة الغلاء إذ طالت الارتفاعات أيضاً الخدمات الصحية. فقد زادت الخدمات الطبية بنسبة 9.60 %، وارتفعت خدمات أطباء الأسنان بنسبة 10.02 %.

أما خدمات الاستشفاء فسجلت بدورها زيادة أكبر بلغت 16.29 %. وهكذا، لم تقتصر الزيادات على السلع التي تُشترى بصورة متكررة، بل شملت أيضاً خدمات صحيّة قد تشكّل جزءاً من النفقات الدورية أو الطارئة للأسرة.

التعليم والثقافة والترفيه

في مجال التعليم، زادت أسعار البرامج التعليمية الأخرى مثل الدروس الخصوصية ودورات الكمبيوتر واللغات في المعاهد الخاصة بنسبة 18.53 %.

أما الخدمات الثقافية (سينما، مسرح وحفلات موسيقية ومهرجانات واشتراك الدش في الحيّ وخدمات مصورين مثل تظهير أفلام وتكبير صور وتصوير مناسبات…)، فسجلت زيادة لافتة بلغت 25.93 %، فيما ارتفعت الخدمات الرياضية (اشتراك الأندية، ودخول المسابح والملاعب الرياضية والتزلج ومدن الملاهي ودروس الرياضة خارج المدرسة) والاستجمامية (الرقص، موسيقى، تزلّج، سباحة…) بنسبة 13.43 %. وسجل بند العطلات (Package) وهي عطلات منظمة خارج لبنان، ارتفاعاً بنسبة 14.54 %.

الخدمات اليومية

لم تسلم الخدمات اليومية من الارتفاعات، فقد زادت بحسب إدارة الإحصاء المركزي أسعار المطاعم والمقاهي بنسبة 12.06 %، فيما ارتفعت خدمات مزيّن الشعر ومؤسسات التجميل بنسبة 13.44 %.

كما تحرّكت صعوداً أيضاً كلفة الموظفين الذين يخدمون في المنزل بنسبة 13.48 %، في حين سجّل بند الممتلكات الشخصية الأخرى (حقائب اليد والمحفظات، حلي للزينة غير ثمينة، نظارات للشمس، عربة للأطفال، أكسسوارات للمدخنين، وسلع مشتراة لزوم دفن الموتى…) ارتفاعاً بنسبة 9.93 %.

التضخم يزيد بشكل مستدام في حين أن الراتب وكلفة النقل للموظفين يراوحان مكانهما، وبالتالي، تتناقص قيمتهما، بما يؤثّر على القدرة الشرائية ويزيد من حدّة الفقر في البلاد، علماً أن تضخّم أسعار الطاقة وتداعياته على سائر السلع سيكون أعلى في شهر أيلول نظراً إلى وصول برميل النفط إلى 108 دولارات.

وفي هذا السياق أوضح نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت وجبل لبنان ونقيب أصحاب السوبرماركات نبيل فهد لـ”نداء الوطن” أن السوبرماركات تشهد استقراراً في حجم مبيع المواد “الرخيصة”، بينما حدث تراجع في مبيعات المواد “الغالية” وحلّت مكانها السلع الأرخص.

وبالنسبة إلى الأسعار قال فهد: إذا استثنينا الخضار، والفواكه، واللحوم لم ترتفع كثيراً، فالزيادات التي شهدناها تراوحت بين 3 و 6 % فقط. أما بالنسبة إلى الخضار والفواكه فتتغير أسعارها عادة بشكل يومي، أما اللحوم فقد حلّقت عالمياً لذلك زادت الأسعار في لبنان.

ولفت إلى أنه “عادة في شهر أيلول نشهد تراجعاً في المبيعات مقارنة بفصل الصيف لأنه شهر المدارس، والأقساط، ومغادرة المغتربين، وهذا بالتأكيد ما لاحظناه في السوق. ولم نشعر بوجود تراجع في المبيع خارج الإطار الذي نشهده عادة إلا في المواد المرتفعة الثمن”.

 إضراب عام 

في ظلّ موجة الغلاء المرتفعة والتي تصيب محدودي الدخل في معيشتهم، تعتزم النقابات والاتحاد العمالي وموظفو القطاع العام واتحادات النقل البري والمتقاعدون تنفيذ إضراب تحذيري واعتصامات تعبيراً عن الضغط المعيشي وعدم القدرة على تلبية الاحتياجات المعيشية. وسيعقد الاتحاد العمالي العام اجتماعاً يوم السبت المقبل لتحديد موعد الإضراب العام . وأعلن أمس رئيس اتحادات ونقابات قطاعات النقل البري في لبنان بسام طليس بعيد اجتماع للإتحادات، الإضراب العام والتحرك والاعتصام على جميع الأراضي اللبنانية، ومشاركة جميع فئات قطاع النقل البري، يوم الأربعاء المقبل في 30 أيلول 2026 على أن تُعلن تفاصيله يوم الثلثاء المقبل.

وتوازياً تم التوافق بين الاتحاد العمالي ورئيسي الجمهورية والحكومة على تشكيل خلية طوارئ عبارة عن لجنة تتكوّن من الوزراء المعنيين (الاقتصاد، الأشغال، الداخلية، المالية، والشؤون الاجتماعية) للبحث في السبل الآيلة إلى التخفيف من وطأة الأزمة المرتبطة بالإقليم على المواطن المحدود الدخل.

وفي السياق قال الأسمر لـ”نداء الوطن” إن الحدّ الأدنى للرواتب والأجور حدّد بقيمة 1187 دولارات لعائلة مكوّنة من 4 أشخاص بناءً على السلة الغذائية التي تتضمن بدل السكن والمدارس والخدمات بحدّها الأدنى والمواصلات وفروقات الطبابة والاستشفاء إذا كان ينتمي الموظف إلى تعاونية الموظفين أو الضمان الاجتماعي.

وبذلك يعتبر هذا الرقم في حدّه الأدنى للعيش بعيداً عن المدارس المتوسطة الأقساط والتي تخطّى قسطها السنوي الرقم الذي كان معتمداً في 2019 ووصل إلى 6000 دولار، في حين زادت أقساط بوالص التأمين لدى شركات التأمين الخاصة لمن ليس لديه جهة ضامنة أخرى، عدا طبعاً عن الإيجار الشهري للسكن الذي ارتفع وكلفة النقل والطبابة الخارجية والمأكل والمشرب، وكل ذلك يتطلب راتباً لا يقلّ عن 3000 دولار لعائلة مكوّنة من أب وأم وولدين.

مصدرنداء الوطن - باتريسيا جلاد
المادة السابقةالنفط يتجاوز 100 دولار من جديد بعد تصريحات ترمب بشأن الديزل
المقالة القادمة20 ألف ليرة على الفاتورة… ماذا تخبئ موازنة 2027 للمطاعم والبنزين؟