الرئيسية اقتصاد دولی الحرب تتصادم مع الطموحات السعودية في تجمّع قوى النفط

الحرب تتصادم مع الطموحات السعودية في تجمّع قوى النفط

خارج مركز المعارض الشاسع في الرياض، حيث اجتمع مئات المسؤولين التنفيذيّين في قطاعي النفط والغاز هذا الأسبوع، للمشاركة في قمة دولية للطاقة، تلقّى ديبلوماسيون أجانب تحذيراً من احتمال توجّه صاروخ نحو العاصمة السعودية. وفي داخل القاعة، صدر إعلان عاجل: يُرجى من الحاضرين التوجّه إلى مقاعدهم، لأنّ الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، كان على وشك اعتلاء المنصة. وواجهت السعودية تصعيداً حاداً في الهجمات العابرة للحدود بالصواريخ والطائرات المسيّرة، التي تشنّها جماعة الحوثيين في اليمن، المتحالفة مع إيران. وقد أسفرت ضربات صاروخية استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض عن مقتل ما لا يقلّ عن 17 شخصاً وإصابة مئات آخرين. وعلّقت السلطات السعودية العمليات التجارية في المطار حتى إشعار آخر.

كان من الصعب تجاهل توقيت التطوُّرات. فقد اضطر المندوبون المشاركون في مؤتمر الطاقة التابع للمجلس العالمي للبترول، إلى تغيير مسارات رحلاتهم والتوجّه إلى مطارات أخرى، بل إلى دول أخرى في المنطقة. وألغى بعضهم، ومن بينهم الرؤساء التنفيذيّون لشركات «إكسون، شل، شيفرون وبي بي»، مشاركاتهم المقرّرة بالكامل. وعلى الرغم من التهديدات، يعمل المسؤولون السعوديون على إظهار أجواء من الهدوء ورباطة الجأش في المؤتمر، المقرّر أن يستمر حتى يوم الجمعة. وأكّد الأمير عبد العزيز متحدّياً: «إنّ كلمة «الخوف» غير موجودة في القاموس السعودي».

أحدثت الحرب في إيران اضطراباً في جوانب عديدة من النظام الاقتصادي والأمني في الشرق الأوسط. فقد وجدت موانئ في الإمارات نفسها محاصرة خلف ما تحوَّل فجأة إلى جبهة قتال بحرّية. كما تعرّضت المنشآت المتطوّرة في قطر لأضرار مدمّرة. وقلّما واجهت منطقة ما في الآونة الأخيرة اختبارات مماثلة لتلك التي واجهتها السعودية، الرائدة منذ زمن طويل في إنتاج النفط في المنطقة.

وفَقَد السعوديون، شأنهم شأن منتجي النفط الآخرين، قسماً كبيراً من قدرتهم على الوصول إلى مضيق هرمز، الذي يشكّل الطريق الأكثر كفاءة لتصدير نفطهم إلى العالم، عندما بدأت إيران استخدام القوّة للتحكّم في الجهات المسموح لها بالعبور. وعندما حوَّلوا مسار صادراتهم عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر، استهدفته ميليشيا مدعومة من إيران في العراق.

وعلى امتداد هذه التطوُّرات، تكيّف حكّام السعودية وشركة أرامكو، عملاق النفط الحكومي، مع الظروف لإخراج النفط الخام من المنطقة. وكانت هذه العملية مكلفة، لكنّ منتجي النفط كانوا يحققون أرباحاً هائلة نتيجة الارتفاع الحاد في الأسعار.

غير أنّ الضربات التي وقعت خلال الأيام الماضية سلّطت الضوء على المخاطر المتزايدة التي لا تهدّد قدرة السعودية على ترسيخ صورة المنطقة الآمنة فحسب، بل تطال أيضاً مساعي المملكة الحثيثة للتحوُّل إلى مركز عالمي متنامٍ للتمويل.

وقد فرضت الهجمات الإيرانية تحدّيات مماثلة على الإمارات، ولا سيما دبي، التي لطالما شكّلت ملاذاً آمناً للأعمال في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. وأطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول الخليج العربي، التي تستضيف عدداً من القواعد العسكرية الأميركية.

ومن المقرّر أن تستضيف الرياض في وقت لاحق من هذا الشهر حدثاً يُعدّ، من نواحٍ عديدة، أكثر أهمية للسعودية: قمة الاستثمار السنوية التي يعقدها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ويجتذب المؤتمر، المعروف باسم «مبادرة مستقبل الاستثمار» (دافوس في الصحراء)، قادة العالم والمليارديرات وكبار المسؤولين التنفيذيّين. كما يستقطب المؤسسات المالية الساعية إلى اقتناص مشاريع كبرى لتوظيف أموال عملائها فيها. ويشكّل المؤتمر منصة لطموحات الأمير محمد، الرامية إلى تحويل الاقتصاد السعودي. ويهدف البرنامج، المعروف باسم «رؤية 2030»، إلى تنويع الاقتصاد السعودي والتخلّص من اعتماده على النفط، وتحويل المملكة إلى وجهة عالمية للتجارة والرياضة والتكنولوجيا والثقافة والسياحة.

وأوضح منظّمو مبادرة «مستقبل الاستثمار»، في بيان، أنّ المؤتمر سيُعقد وفقاً للخطط المقرّرة، متعهّدين باتخاذ «تدابير أمنية شاملة»، تشمل تقديم المساعدة في مجال النقل. لكنّ التداعيات التي خلّفها الحوثيون على مؤتمر الطاقة التابع للمجلس العالمي للبترول هذا الأسبوع، شكّلت تذكيراً ملحّاً بالمخاطر التي تواجه مؤتمر الاستثمار.

وقد شارك عدد من كبار المسؤولين الحكوميّين، بمن فيهم وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، عبر الاتصال المرئي، وكذلك فعل وزير أمن الطاقة الإيطالي. وكان من المقرّر أصلاً إقامة مؤتمر الطاقة التابع للمجلس العالمي للبترول في نيسان، لكنه أُرجئ بسبب الحرب على إيران.

وانطلق هذا الحدث في ثلاثينات القرن الماضي، وكان يُعرف في الأصل باسم «المجلس العالمي للبترول»، ويُعقد مرّة كل 3 سنوات. وهذه هي المرّة الأولى التي تستضيف فيها السعودية المؤتمر. وتُقام الفعاليات في مركز المعارض والمؤتمرات بالرياض، على بُعد نحو 10 أميال من المطار الدولي.

ويرى يوسف الشمري، رئيس كلية لندن لاقتصاديات الطاقة، أنّ «السعوديّين واصلوا تنفيذ جدول الأعمال، على الرغم من كل الفوضى التي تشهدها المنطقة، لأنّ هذا هو ما يحافظ في نهاية المطاف على الثقة. من دون الثقة، سيكون من الصعب جذب الاستثمارات الأجنبية».

وإلى جانب التداعيات الاقتصادية، يشير المحلّلون إلى وجود ضرورة استراتيجية وراء هذا التوجّه. وأوضح نيل كويليام، الخبير في سياسات الطاقة في الشرق الأوسط لدى معهد تشاتام هاوس للأبحاث، أنّ إلغاء الفعاليات الرئيسية في الرياض قد يمنح الجماعات الحوثية المسلّحة أيضاً انتصاراً «نفسياً»، فضلاً عن إضعاف ثقة المستثمرين. وأضاف: «سيعني ذلك أنّ الهجمات على المملكة تنجح في عرقلة التحوُّل الاقتصادي والإضرار بمكانة السعودية الدولية». وحذّر من أنّ استمرار الهجمات سيجعل من الأصعب على الحكومة الحفاظ على هذه الرسالة.

مصدرالجمهورية - ليزا فريدمان- نيويورك تايمز
المادة السابقةمديرة صندوق النقد تدعو واشنطن والدول الغنية إلى التحرك العاجل لمواجهة الديون
المقالة القادمةترامب يفتح باب الغاز الروسي أمام المستثمرين الأميركيين: هل تتقدم المصالح الاقتصادية على العقوبات؟