في موازاة الاستحقاقات السياسية التي تنتظر الحكومة في الأسبوع الطالع، تبرز مسألة مالية اجتماعية ترتبط بالتحركات الاحتجاجية التي سيبدأها موظفو القطاع العام، بالإضافة إلى العسكريين المتقاعدين، للضغط على الحكومة ودفعها إلى البدء في تنفيذ قرارها السابق بزيادة الرواتب ستة أضعاف.
ورغم أنه لم يُتخذ بعد قرار بشأن موعد الإضراب الذي يهدد به الموظفون، إلا أن المعلومات تتحدث عن مباشرة هذا التحرّك خلال الأسبوع الجاري.
وتبرز الإشكالية التي تواجهها الحكومة من خلال الوضع المالي الدقيق الذي لا يسمح بأي دعسة ناقصة قد تؤدي إلى تهديد الاستقرار النقدي. صحيح أن الحكومة تختبئ اليوم وراء واقع أن مجلس النواب لم يُقرّ مشروع رفع الرواتب ستة أضعاف، لكن التركيز على هذا العذر دون سواه قد يُحرج المجلس النيابي ويدفعه إلى إدراج المشروع على جدول أعماله لإقراره في جلسة للهيئة العامة.
وسبق لوزير المالية ياسين جابر أن قال لـنداء الوطن إن حق الموظفين في هذه الزيادة محفوظ، لكن ينبغي التريث قليلًا لتمرير هذه المرحلة الاستثنائية، لأن أي قرار بإنفاق إضافي غير محسوب قد يدفع ثمنه لاحقًا الموظفون وكل اللبنانيين والاقتصاد الوطني. وبالتالي، المطلوب إعطاء المزيد من الوقت لكي نضمن عدم وجود تداعيات سلبية.
ومن هنا، تقول مصادر متابعة للملف إن المشكلة ستصبح أصعب في حال لم يتفهم الموظفون هذا الواقع، ومضوا في تنفيذ إضراب مفتوح من شأنه شلّ الحركة في الدوائر الرسمية كافة.
وسينعكس ذلك على إيرادات الخزينة التي تراجعت في آذار بنسبة 40 في المئة، ومن المتوقع أن تكون قد تراجعت في نيسان، وفق تقديرات أولية لوزارة المالية، إلى 50 في المئة.
وفي المقابل، زادت ضغوط الإنفاق بسبب تداعيات الحرب وما نتج عنها من أضرار ونزوح. وقد وقّعت الدولة قرضًا مع البنك الدولي بقيمة 200 مليون دولار لتوسيع برنامج “آمان” وزيادة المساعدات للناس الذين باتوا يحتاجون إلى هذه المساعدة بسبب تداعيات الحرب.
وتضيف المصادر نفسها أن التغاضي عن مطالب الموظفين ومعايشة الإضراب، في حال تنفيذه، سيؤدي إلى ارتفاع نسبة انخفاض الواردات، وستصبح الخزينة في وضع أشدّ تعقيدًا مما هي عليه اليوم.
وفي هذه الحالة، من البديهي أنها ستكون عاجزة عن رفع رواتب الموظفين بمقدار ستة أضعاف. وإذا رضخت الحكومة وقررت دفع الزيادات في هذه الظروف، فإن الاستقرار النقدي الحساس القائم حتى اليوم على معادلة ضبط حجم كتلة السيولة سوف يهتز، وقد نشهد عندها انهيارًا في سعر صرف الليرة، وندخل في نفق أسود يصعب الخروج منه.
خصوصًا أن تبعات انهيار سعر الصرف لا تضعف القدرات الشرائية لكل اللبنانيين فحسب، بل إنها تضرب الدورة الاقتصادية أكثر مما هي مضروبة اليوم.
ويبقى السؤال: كيف سيتم التعاطي مع هذه الإشكالية في الأيام المقبلة؟ ومن سيلعب دور “أم الصبي” لإنقاذ اللبنانيين من مخاطر اهتزاز سعر صرف عملتهم؟



