لم تعد فاتورة الهاتف الخليوي في لبنان تُقرأ بالطريقة نفسها التي كانت تُقرأ بها قبل الأزمة. ففي العام 2019، كانت تعرفة القطاع تُحتسب ضمن نظام مالي يقوم على سعر صرف رسمي ثابت عند 1507.5 ليرات للدولار، قبل أن ينهار هذا النموذج وتدخل الاتصالات، شأنها شأن معظم الخدمات الأساسية، مرحلة إعادة تسعير واسعة.
لكن بعد سبع سنوات على بدء الأزمة، لم يعد السؤال محصورًا بكم ارتفعت الأسعار بالليرة. السؤال الأهم هو: كيف تُحدَّد كلفة الاتصالات اليوم، وكم يدفع اللبناني للحفاظ على خطه واستخدامه، وماذا يحصل في المقابل من خدمة واستثمار في الشبكة؟
من 2019 إلى إعادة التسعير
شكّل الأول من تموز 2022 نقطة تحول أساسية في تسعير الخليوي. فقد أعلنت شركة “ألفا”، تنفيذًا لقرار مجلس الوزراء، اعتماد آلية تقوم على خفض القيمة الاسمية للتعرفة السابقة بنسبة 67%، أي قسمتها على ثلاثة، ثم احتساب الكلفة النهائية وفق سعر منصة “صيرفة”. وأوضحت لاحقًا أن الأسعار والرسوم المتعلقة بالدقائق والرسائل والباقات والداتا أصبحت تُحتسب وفق الأسعار الجديدة بالدولار، على أن يتم الدفع بالليرة وفق سعر الصرف المعتمد. هذا التحول ساهم في تأمين إيرادات فعلية للقطاع بعد الانهيار النقدي، لكنه فتح في الوقت نفسه سؤالًا آخر يتعلق بأساس التسعير نفسه.
ويقول المدير العام السابق لشركة “تاتش” والخبير في قطاع الاتصالات وسيم منصور لـ”النشرة” إن تحديد أسعار الدقيقة والـGB والخدمات يتم بقرار من مجلس الوزراء، لكنه يطرح علامات استفهام حول المعايير التي تُبنى عليها هذه الأسعار ودرجة الشفافية في عرضها أمام المواطنين.
فبالنسبة إليه، لا يمكن مناقشة التعرفة بمعزل عن معرفة كلفة الاستثمار والتشغيل، وعدد المشتركين وحجم استهلاكهم، والإيرادات والأرباح الفعلية للقطاع.
والسؤال هنا يصبح بسيطًا: عندما يرتفع السعر، هل يستطيع المشترك معرفة لماذا يدفع هذا المبلغ تحديدًا؟
77 دولارًا لإبقاء الخط سنة
تُظهر الأسعار الرسمية الحالية جانبًا آخر من الكلفة التي يتحملها المشترك. فإحدى فئات إعادة التعبئة لدى “تاتش” تبلغ 77.28 دولارًا، وتمنح صلاحية تمتد إلى 365 يومًا إضافة إلى خمسة أيام، فيما تشير الشركة إلى أن الأسعار المنشورة لا تشمل الضرائب.
وهذا الرقم مهم ليس فقط باعتباره كلفة مالية، بل لأنه يطرح مسألة صلاحية الخط نفسها.
فالمشترك الذي يريد الاحتفاظ برقمه لا يدفع حصرًا مقابل دقائق تحدث بها أو بيانات استهلكها؛ هناك أيضًا كلفة مرتبطة باستمرار صلاحية الخط. ومن هنا ينتقد منصور أن يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الدفع للحفاظ على رقم أصبح جزءًا أساسيًا من حياته الشخصية والمهنية.
هل أصبحت الداتا أغلى فعلًا؟
هنا تصبح المقارنة أكثر تعقيدًا. فلا يمكن الاستنتاج تلقائيًا أن كل خدمات إنترنت الخليوي أصبحت أغلى بالدولار مما كانت عليه في 2019، لأن أحجام الباقات والأسعار تغيّرت، كما تغير استهلاك المشتركين بصورة كبيرة.
وتظهر تعرفة “ألفا” المنشورة، على سبيل المثال، باقة 1.75GB بسعر 6 دولارات، و6GB بـ8.5 دولارات، و20GB بـ13 دولارًا، و30GB بـ16 دولارًا، قبل الضريبة على القيمة المضافة.
لذلك، فإن المقارنة العلمية لا تكون بمجرد وضع فاتورة من 2019 مقابل أخرى من 2026، بل بمقارنة الخدمة نفسها وحجم الداتا نفسه وسعر الـGB والدقيقة، ثم قياس الكلفة بالنسبة إلى دخل المواطن.
وهذه النقطة أساسية: قد ينخفض سعر وحدة معينة من الداتا، فيما تبقى فاتورة الاتصالات ثقيلة على الأسرة بسبب تراجع قدرتها الشرائية أو ارتفاع حجم الاستهلاك الذي بات ضروريًا للعمل والتواصل.
أموال الاتصالات… إلى أين؟
لا تقف القضية عند سعر الفاتورة. فبحسب “موازنة المواطن” الصادرة عن وزارة المالية للعام 2025، شكّلت إيرادات الاتصالات نحو 8% من إجمالي الإيرادات المقدرة للدولة، ما يعكس استمرار أهمية القطاع كمصدر مالي للخزينة.
وهنا يطرح منصور إشكالية توزيع الإيرادات بين حاجة الخزينة إلى الأموال وحاجة القطاع نفسه إلى الاستثمار. وبرأيه، يجب أن يُعاد ضخ جزء كافٍ من الإيرادات في الشبكات والتجهيزات لضمان استمراريتها وتطويرها، بدل النظر إلى الخليوي فقط كمصدر إيرادات للدولة.
وهذه ليست مسألة نظرية. فبعد تعديل التعرفة في 2022، أعلنت “ألفا” خطة لتحسين الشبكة، وقالت آنذاك إن الكهرباء والسرقات وتقادم بعض التجهيزات كانت من العوامل التي تؤثر في توافر الخدمة، كما تحدثت عن استبدال بطاريات وتجهيز محطات بالطاقة البديلة وتحسين مؤشرات أداء الشبكة.
السعر وحده لا يكفي
من هنا، قد يكون اختزال أزمة الاتصالات منذ 2019 بعبارة “الأسعار ارتفعت” مضللًا بقدر اختزال أزمة البنزين بسعر برميل النفط.
فالقطاع انتقل من نموذج قائم على سعر صرف رسمي ثابت إلى إعادة تسعير مرتبطة بالدولار وسعر الصرف، فيما تغيرت الباقات والاستهلاك والإيرادات. وفي الوقت نفسه، أصبحت الاتصالات بالنسبة إلى اللبناني خدمة أساسية للعمل والدراسة والمصارف والتواصل، لا ترفًا يمكن الاستغناء عنه.
لذلك، فإن الرقم الذي يظهر على بطاقة التشريج أو باقة الإنترنت لا يقدّم وحده الصورة الكاملة. المعادلة الحقيقية هي: كم يدفع اللبناني نسبةً إلى دخله، كيف حُدد هذا السعر، كم يعود من الإيرادات إلى تطوير الشبكة، وما نوعية الخدمة التي يحصل عليها في المقابل؟
وبعد سبع سنوات على الأزمة، قد يكون هذا هو السؤال الأهم في فاتورة الخليوي: “ليس فقط كم أصبحت تكلف، بل هل يعرف المشترك لماذا يدفع هذا المبلغ، وماذا يحصل مقابله؟”.



