الدولار يتجاوز 33 ألفاً: لا حدّ لصعوده المتسارع

0

على الرغم من ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية أكثر من 20 ضعفاً منذ بداية الأزمة المالية وحتى اليوم، إلا أن تسارع ارتفاعه بين الحين والآخر لايزال يبعث القلق بين المواطنين ويُحدث إرباكاً في الأسواق. خصوصاً أن المشهد المحيط بمستقبل العملة الوطنية لا يزال قاتماً على المدى المنظور.

بعد استقرار سعر صرف الدولار على مدار الأشهر القليلة الماضية عند مستويات متقاربة في محيط 29 ألف ليرة و30 ألف ليرة، عاد ليرتفع في اليومين الماضيين متجاوزاً 33 ألف ليرة في مدة قصيرة جداً لا تتعدى 48 ساعة. التسارع في ارتفاع سعر صرف الدولار أشاع القلق بين المواطنين، ما دفع بكُثر منهم إلى شراء الدولارات لإدخارها، خوفاً من استمرار ارتفاع سعر الصرف في المرحلة المقبلة. أما التجار فخيارهم يتجاوز مسألة الإدخار، وقد سارعوا إلى زيادة مستوى استيراد البضائع منذ أسابيع، تزامناً مع اقتراب حسم سعر الدولار الجمركي.
فهل من أسباب مباشرة لتسارع ارتفاع سعر صرف الدولار خلال أيام قليلة؟ وهل من أفق لارتفاع سعر الصرف مقابل الليرة؟

في الأسباب

منذ مطلع الصيف الحالي، ومع بداية الموسم السياحي، أشيعت توقعات بتراجع سعر صرف الدولار مقابل الليرة بفعل ضخ الدولارات من قبل المغتربين اللبنانيين، غير أن النتيجة لم تأت على قدر الآمال. فدولار السوق السوداء لم يتوقف يوماً عن تسجيل ارتفاعات، وإن بشكل متباطىء. حتى دولار منصة صيرفة استمر بالارتفاع طيلة أشهر الصيف.

لذا، قد تكون دولارات المغتربين نجحت بلجم تسارع ارتفاعه، لكنها قطعاً لم تفلح بخفض سعر الدولار مقابل الليرة، ولن تفلح. فأسباب ارتفاع الدولار عديدة والثقة بالليرة بتراجع مستمر.

مهما هدأت حركة الدولار وتراجع سعره، يبقى اتجاهه العام صعوداً. وهو ما أثبته طيلة سنوات ما بعد اندلاع الأزمة في العام 2019، في ظل غياب الإصلاحات البنيوية الحقيقية، والتي تشكّل السبب المباشر الأساسي لانهيار العملة الوطنية واستمرار انهيارها. وليس تأخر الإصلاحات المالية والاقتصادية والنقدية سوى عامل أساسي لتراجع الثقة بالعملة الوطنية وتكبّدها مزيد من الخسائر أمام الدولار.

أسباب عديدة مباشرة تدفع بسعر صرف الدولار اليوم إلى الارتفاع، يرتبط معظمها بسوء إدارة الأزمة والفوضى المترافقة مع إدارة ملفات المحروقات والدولار الجمركي وغيرها. ففي ملف المحروقات، عمد مصرف لبنان إلى خفض قيمة دولارات صيرفة المخصّصة لاستيراد البنزين، من 85 في المئة إلى 70 في المئة، ذلك تطبيقاً لسياسة رفع الدعم التدريجي عن استيراد البنزين. وعليه، بات على مستوردي المحروقات تأمين 30 في المئة من دولارات الاستيراد من السوق السوداء. وهو ما يرفع الطلب على الدولار ويقلّص المدة الزمنية الفاصلة عن الرفع التام للدعم عن استيراد المحروقات.

وليس ملف الدولار الجمركي سوى عامل إضافي لارتفاع سعر الصرف. فالخلافات الواقعة بين أركان السلطة السياسية حول احتساب سعر الدولار الجمركي تؤكد عدم الاستناد بطرحها إلى أي من المعايير العلمية الدقيقة. أما الأرقام العشوائية المطروحة للدولار الجمركي بين 12 ألف ليرة و15 ألف ليرة و20 ألف ليرة، فتشيع القلق بين المواطنين من ارتفاع أسعار السلع وتعزز حرصهم على ما تبقى من مدّخراتهم بالعملة الصعبة. كما تدفع بالتجار إلى مزيد من الاستيراد وتخزين البضائع بانتظار بيعها لاحقاً، بعد إقرار الدولار الجمركي لتحقيق مزيد من الأرباح.
وإذا كان إقرار الدولار الجمركي يستهدف زيادة إيرادات الموازنة العامة، لتمويل زيادة رواتب القطاع العام، فذلك لاشك سيؤدي إلى مزيد من التضخم على حساب الليرة وحامليها من الفقراء وذوي المداخيل المحدودة.

الدولار إلى أين؟

لم يتوان الدولار عن تسجيل ارتفاعات في مقابل الليرة، أما تسارع وتيرة ارتفاعه فتزيد أو تنخفض تبعا للظروف. وبالنظر إلى العوامل المذكورة أعلاه، وما يُضاف إليها من عوامل أخرى ترتبط بارتفاع مستوى ضخ العملة الوطنية بالسوق، واستمرار استدانة الحكومة من مصرف لبنان، وتضخم الكتلة النقدية، وسط توقعات بمزيد من تضخمها بعد رفع الرواتب والأجور، فجميعها تشير إلى مزيد من ارتفاع سعر صرف الدولار على حساب الليرة.

وأي أفق لارتفاع سعر صرف الدولار؟ لا يرى معظم المراقبين والخبراء من أفق لارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة أقله على المدى المنظور. فالوضع القائم يتّجه إلى مزيد من التعقيد في ظل الفراغ الحكومي الحاصل وبدء العد العكسي لاستحقاق دستوري من المحتمل أن ينتج عنه فراغ رئاسي.

ولعل الأسوأ من تأزم الوضع السياسي وضبابية المرحلة المقبلة، فيرتبط بالتراخي في تطبيق الإصلاحات والعمل على هيكلة القطاع المصرفي والتفاوض مع الدائنين، وعدم إيلاء الملفات الحيوية كملف الكهرباء أي اهتمام، على الرغم من انهيار الخدمات الأساسية بشكل شبه تام.

ولا يعوّل في المرحلة المقبلة على منصة صيرفة. فالدولارات التي يضخّها مصرف لبنان من خلالها تقلّصت إلى حدودها الدنيا، وباتت تقتصر على عدد قليل جداً من التجار، ولا تزيد قيمة الدولارات المتداولة 30 مليوناً يومياً. وهو ما لا يكفي لإحداث تأثير يُذكر في سوق العملة. أما سعر دولار صيرفة فلا يتجاوز حدودها، ولا يعبّر بالطبع عن سعر الدولار الحقيقي الذي يتجاوزه كثيراً ويتّجه إلى مزيد من الارتفاع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here