الدولرة الشاملة: كارثة نقديّة وليست حلًّا

0

لقد باتت الدولرة أمرًا واقعًا ومكلفًا على جميع المقيمين في البلاد، نتيجة تدنّي قدرة الليرة على أداء الأدوار المطلوبة من أي عملة موثقة القيمة. فوظيفة النقد الأولى هي أن يحفظ القيمة الشرائيّة عبر الزمن. وهذا لا يمكن أن تقوم به عملة تخسر أكثر من خُمس قيمتها في أقل من شهر. ووظيفته الثانية هي أن يكون وحدة قياس قيمة السلع والخدمات في السوق بشكل موثوق، فيما التذبذب السريع في قيمة الليرة لا يسمح لها بلعب هذا الدور، إلّا بعد احتساب القيمة الأساسيّة بالعملة الصعبة. ولهذا السبب انحصر دور الليرة باستخدامها وسيلة دفع، وهي وظيفة النقد الثالثة، لكن ضمن تبادلات تجاريّة مربوطة بسعر صرف الدولار في السوق الموازية، وبعمليات تنتهي غالبًا بشراء الدولار النقدي للاستيراد أو حفظ قيمة النقد للادخار.

المفاجئ في الموضوع اليوم، هو أن يطفو على سطح السجالات المرتبطة بالوضع المالي طرح بعض المحلّلين الاقتصاديين “الدولرة الشاملة” حلاً لهذا الوضع. وحسب هذا المقترح المطلوب اليوم هو توسيع رقعة الدولرة في السوق كما يحدث الآن، عبر الانسحاب بشكل شبه كامل من استعمال العملة المحليّة في التداولات اليوميّة، واستبدالها بالدولار النقدي. وهذا الطرح يقوم أساسًا على فكرة عدم موثوقيّة قيمة العملة المحليّة، وعدم وجود معالجة نقديّة جديّة تبشّر بقرب استعادة الليرة قيمتها، أو على الأقل بوقف تدهور قيمتها في السوق الموازية. وبهذه الطريقة، يبشّر هؤلاء بتخلّص السوق من أزمة تذبذبات سعر الصرف، بمجرّد التخلّي عن العملة المحليّة والركون إلى عملة أخرى مستقرّة.

مثل الكثير من الحلول الأخرى المقترحة، تكمن إشكاليّة طرح الدولرة الشاملة في تركيزه على الجانب المتعلّق بالأزمة النقديّة، مع إهمال جميع جوانب الانهيار الأخرى. فالذهاب إلى الدولرة الكاملة وبشكل رسمي، وإن أخرج السوق من أزمة تذبذب قيمة العملة، يعني فقدان مصرف لبنان أهم الأدوات التي يمكن استخدامها للتعامل مع الأزمة المصرفيّة. أي قدرة التحكّم بالكتلة النقديّة بالليرة اللبنانيّة، واستعمالها في المعالجات المرتبطة بالقطاع المالي.

الإشكاليّة الثانية في مبدأ الدولرة الشاملة تكمن في ما ينتج عن هذه المعالجة من أفلاس تام ونهائي للدولة اللبنانيّة، التي تعتمد اليوم على الاقتراض من المصرف المركزي بالليرة اللبنانيّة لدفع الرواتب والأجور، وتمويل الغالبيّة الساحقة من نفقاتها. وفي حالة اعتماد الدولرة الشاملة، لا تملك الدولة كما هو معلوم قدرة تأمين الدولارات الكافية من الضرائب والرسوم لتمويل جميع هذه النفقات. كما لا يملك مصرف لبنان قدرة إقراضها بالعملة الصعبة في ظل شح الاحتياطات المتبقية والقابلة للاستخدام. وبما أن الدولة امتنعت عن سداد سندات اليوروبوند منذ شهر آذار 2020 من دون أن تعالج أزمة ديونها العالقة بالعملة الأجنبيّة، يستحيل ولوجها إلى الأسواق الدوليّة للاقتراض.

ببساطة، الدولرة الشاملة تعني وقف سداد رواتب موظفي القطاع العام، وشل ما تبقى من وظائف الدولة، بما فيها الأمن والتعليم الرسمي والجامعة اللبنانيّة والطبابة الحكوميّة وخدمات الكهرباء وغيرها من أدوار الدولة الحسّاسة. بل وحتّى شركات القطاع الخاص، ستعاني من فقدان السيولة الكافية لتحريك العجلة الاقتصاديّة، في حال انعدام تداول العملة المحليّة المستخدمة الآن في جزء من التبادلات الماليّة الداخليّة، التي لا يتم سداد قيمتها بالدولار النقدي.

أمّا الأخطر في حال الذهاب نحو الدولرة الشاملة، فهو أن المصرف المركزي في لبنان يفقد- على المدى الطويل- قدرته على لعب دور مقرض المصارف الأخير، ومقرض الدولة خلال الأزمات، كما يفقد قدرته على ضخ النقد عند الحاجة لتحريك الأسواق. وبذلك يتحوّل المصرف المركزي إلى شرطي مرور في النظام المالي، يكتفي بتنظيم المقاصّات ووسائل الدفع المحليّة، بلا أن يملك القدرة على المبادرة في الشأنين النقدي والمالي، بل بلا أن يملك القدرة على أداء أبسط وظائف المصارف المركزيّة: العمل بسياسته النقديّة الخاصّة والمستقلّة.

لكل هذه الأسباب، لا يمكن الذهاب إلى الدولرة الشاملة كحل، لا على المدى القصير للتعامل مع الانهيار الحاصل اليوم، ولا على المدى البعيد كجزء من الاقتصاد الذي يجب تبنيه في لبنان لاحقًا. أما توسّع نطاق الدولرة الذي يجري اليوم كأمر واقع، فليس سوى أحد النتائج الكارثيّة للأزمة الماليّة، والتي يفترض أن يتم التعامل معها ومعالجتها خلال المرحلة المقبلة، بدل التسليم بها ومحاولة تعميمها كحل.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here