الرئيسية اقتصاد لبنان الدين العام: المتأخّرات تكبر والتسوية مؤجّلة

الدين العام: المتأخّرات تكبر والتسوية مؤجّلة

في الموازنات المُتتالية التي عملت عليها الحكومات منذ بداية الأزمة، يبدو الدين العام في لبنان كأنه مسألة مؤجّلة. لا كلفة فعلية كبيرة لخدمته، ولا سداد منتظماً لفوائده، ولا خطة واضحة لإطفائه أو لإعادة بنائه ضمن مسار مالي متوسّط الأجل. لكن خارج دفاتر الموازنة، يكبر هذا الدين بصمت، بسبب ما تراكم منذ التوقف عن السداد في آذار 2020. هذا التراكم هو عبارة عن أصل سندات غير مدفوع، فوائد متوقّفة، وكوبونات استحقّت ولم تُسدّد والفوائد عليها، وقد بلغ حجم هذه الأخيرة نحو 46% من الدين العام الإجمالي.

بحسب أرقام وزارة المالية، بلغ إجمالي الدين العام في نهاية 2024 نحو 4,147 تريليون ليرة، أي ما يوازي تقريباً 46.3 مليار دولار على سعر الصرف المُعتمد في نهاية الفترة. لكنّ الأهم من الرقم الإجمالي هو تركيبته.

فالدين الداخلي، الذي كان تاريخياً جزءاً أساسياً من مديونية الدولة، تآكلت قيمته الفعلية بفعل الانهيار النقدي والتضخّم. في المقابل، بات الدين بالعملات الأجنبية هو الكتلة الغالبة من الدين، إذ بلغ الدين الخارجي نحو 4,077 تريليون ليرة، أي ما يعادل أكثر من 45 مليار دولار، مقابل دين داخلي لا يتجاوز، بالقيمة الدولارية، أقل من مليار دولار.

هذا التحوّل يعني أن أزمة الدين لم تعد أزمة ليرات يمكن تذويبها بالتضخّم أو بانخفاض سعر الصرف. هي، في جوهرها، أزمة دين خارجي مُعلّق، ينتظر تسوية سياسية ومالية وقانونية مع الدائنين. ولذلك، عندما تقول الموازنة إن العجز مضبوط أو إن خدمة الدين محدودة، فهذا لا يعني أن مشكلة الدين عولجت. ما يحصل عملياً أن الدولة لا تدفع الجزء الأكبر من ديونها الخارجية منذ إعلان التوقّف عن السداد، ولذلك تنخفض الفوائد المُسجّلة في الموازنة، بينما تبقى الكتلة الأصلية للدين والمتأخّرات خارج الحل.

في تقريره الأخير عن لبنان، يقدّر البنك الدولي أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي ستتراجع من 176.5% في عام 2024 إلى 157.4% في عام 2025. لكنّ هذا التراجع لا يعكس معالجة حقيقية للدين بقدر ما يعكس ارتفاع الناتج المحلي الاسمي، أي نمو الناتج الاسمي نتيجة تضخّم الأسعار، وهو ليس انخفاضاً فعلياً في عبء الدين. ويشير البنك الدولي إلى أن الدين بالعملات الأجنبية يمثّل نحو 98% من إجمالي الدين، فيما تآكل الدين المحلي بفعل الانهيار الكبير في قيمة الليرة والتضخّم منذ بداية الأزمة.

من هنا تظهر مفارقة أساسية، فالدولة تضع موازنات متوازنة أو شبه متوازنة، لكنها لا تضع في قلبها سؤال الدين العام. مشروع موازنة 2026، كما يقرأه البنك الدولي، يقوم على توازن بين الإيرادات والنفقات، مستفيداً من تحسّن الجباية وتوسيع القاعدة الضريبية، لكنه لا يشكّل إطاراً لمعالجة الدين. فإعادة هيكلة الدين، بحسب البنك الدولي، غير مُرجّحة في عام 2026، ما يعني أن لبنان سيبقى خارج أسواق المال الدولية، وأن الدين سيبقى مُعلّقاً بانتظار مفاوضات لم تبدأ بعد مع الدائنين.

في السوق، بدأ هذا التعليق يأخذ سعراً. فقد ارتفعت أسعار سندات اليوروبوندز اللبنانية بأكثر من 30% منذ كانون الثاني 2025، وتجاوزت 23 سنتاً للدولار، بعدما كانت قد لامست نحو 8 سنتات خلال أدنى مستوياتها في فترة الحرب عام 2024. هذا الارتفاع لا يعني أن لبنان استعاد قدرته على الاقتراض، ولا أن الدائنين باتوا يتوقّعون السداد الكامل. هو يعكس، في الأغلب، تحسّناً في توقعات التسوية، أي إن المستثمرين يراهنون على أن إعادة الهيكلة المقبلة قد تمنحهم قيمة استرداد أعلى من تلك التي كانت السوق تتوقّعها خلال الحرب

لكن حتى هذه التوقّعات لا تسير في مسار تصاعدي، إذ إنها تراوح بحسب الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية المحلية. وكل قفزة تشهدها أسعار اليوروبوندز تأتي بعدها انتكاسة في الأسعار ناتجة من خيبة في التوقعات. وهذه التوقعات، كما في الأسواق المالية عادةً، تبقى توقّعات وهي ليست مبنية على وقائع حسيّة تعني بالفعل أن ملف اليوروبوندز يتجه نحو الحل.

لكنّ السعر السوقي لليوروبوندز يبقى مؤشراً سياسياً ومالياً أكثر مما هو رقم محاسبي. فالدين الرسمي لا يُحتسب على أساس سعر السند في السوق، بل على أساس قيمته الاسمية وما تراكم عليها. لذلك يمكن للسند أن يُتداول عند 23 سنتاً، بينما يبقى مُسجّلاً في الدين العام بقيمته الاسمية، مضافاً إليها ما تراكم من فوائد ومتأخّرات. هنا تحديداً تظهر أهمية بند المتأخّرات أو الـ«arrears».

المتأخّرات تعني ببساطة ما استحقّ على الدولة ولم تدفعه. في حالة لبنان، تعرّفها وزارة المالية بأنها أصل سندات اليوروبوندز غير المدفوع، والكوبونات غير المُسدّدة، والفوائد المُقدّرة المتراكمة عليها. بمعنى آخر، التوقف عن الدفع لم يجمّد الدين عند لحظة آذار 2020، بل فتح باباً لتراكم دين إضافي داخل الدين نفسه. وبحسب أرقام نهاية 2024، بلغت المتأخّرات وحدها 1,910 تريليون ليرة، أي نحو 21.3 مليار دولار. وهذا يعادل نحو 46% من إجمالي الدين العام، ونحو 70% من الناتج المحلي الاسمي المُقدّر في جدول وزارة المالية.

بهذا المعنى، أصبح الجزء الأكبر من الدين الخارجي عبارة عن متأخّرات تتراكم على الدولة، وهو أمر يعود إلى التأخّر في الوصول إلى حلّ جدّي وحاسم مع حملة السندات وتأجيل هذا الأمر لكل هذه السنوات. وهو ما جعل المتأخّرات جزءاً مركزياً من حجم المشكلة.

إنّ كل سنة تمرّ من دون تسوية تعني بقاء أصل الدين قائماً، وتراكم فوائد وكوبونات غير مدفوعة، واتساع الفجوة بين ما تعرضه الموازنة كإنفاق فعلي وما تتحمّله الدولة كالتزام مالي مؤجّل. لذلك، فإن ضبط العجز السنوي لا يكفي وحده لإعادة لبنان إلى مسار مالي قابل للاستمرار. وهنا من المهم التأكيد على أن المسألة في المالية العامة لا تتعلّق فقط بموازنة الدولة لإيراداتها ونفقاتها الجارية.

فالدين العام جزء أساسي من المالية العامة، والفكرة هي كيف تعيد الدولة تعريف الدين نفسه. ما الذي سيُدفع؟ ما الذي سيُشطب؟ ما الذي ستُعاد جدولته؟ ومن سيتحمّل الخسارة؟

حتى الآن، تبدو الحكومة كأنها تفصل بين الموازنة والدين. الأولى تُدار بمنطق الجباية والإنفاق الجاري، والثاني يُرحّل إلى مفاوضات مستقبلية مع الدائنين، وإلى قانون الفجوة المالية، وإلى إعادة هيكلة لم تنطلق بعد. لكنّ الدين العام لا ينتظر اكتمال المسار السياسي. فهو حاضر في السوق من خلال سعر اليوروبوندز، وحاضر في الحسابات من خلال المتأخّرات، وحاضر في الاقتصاد من خلال بقاء لبنان خارج أسواق التمويل الدولية. وكلّما طال الانتظار، صارت إعادة الجدولة وحدها أقل كفاية، وصارت الحاجة أكبر إلى حل شامل يربط الدين، والمصارف، والفجوة المالية، وقدرة الاقتصاد على النمو.

مصدرجريدة الأخبار - ماهر سلامة
المادة السابقة1500 ميغاوات جاهزة لإنقاذ لبنان من العتمة.. بارودي: للتفاؤل
المقالة القادمةهل مخزون الأدوية كافٍ… وهل التخوف من الانقطاع مُبرّر؟