بعد سنوات من الصعود المتواصل وتحقيق مستويات قياسية، دخل الذهب مرحلة من التراجع أثارت تساؤلات المستثمرين حول مستقبل المعدن النفيس وما إذا كان هذا الانخفاض موقتاً أم بداية لمسار هبوطي طويل. وبين تشدد السياسة النقدية الأميركية، وارتفاع الدولار، وتراجع الطلب من البنوك المركزية، إضافة إلى العوامل الموسميّة، تتشابك مجموعة من المتغيّرات التي تعيد رسم خريطة سوق الذهب العالميّة. فما الأسباب الحقيقيّة وراء هذا التراجع؟ وهل لا يزال الذهب يحتفظ بمكانته كملاذ آمن في ظلّ الاضطرابات الاقتصاديّة والجيوسياسيّة؟
تشير مصادر مالية متابعة لأسواق المعادن الثمينة إلى أن تراجع الذهب يعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصاديّة والنقديّة المتداخلة، وسط توقعات باستمرار تقلبات الأسعار خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء اتجاه السوق مرتبطاً بقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ومسار الدولار، والتطورات الجيوسياسية العالمية، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، يشرح الخبير الاقتصادي ميشال فياض عبر “النشرة” أن “المستثمرين يخشون أن يتجه الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة، إذ ان البيانات الاقتصادية الأميركيّة التي جاءت أقوى من المتوقع، إلى جانب المخاوف المتجددة من التضخم بسبب الحرب في إيران التي رفعت أسعار الطاقة، دفعت الفيدرالي إلى تبني موقف أقل ميلاً إلى التيسير النقدي، ما أدى إلى ارتفاع العوائد الحقيقيّة على السندات، وهو ما يشكل ضغطاً على الذهب باعتباره أصلاً لا يدرّ عائداً”.
وأضاف: “يشهد الدولار الأميركي أيضاً ارتفاعاً مقابل العملات الأخرى، ما يجعل الذهب أكثر كلفة بالنسبة للمشترين الأجانب، ويؤدّي تلقائياً إلى تراجع الطلب العالمي على المعدن النفيس المقوم بالدولار”.
وأشار إلى أن “بعض البنوك المركزية عمدت إلى بيع كميات ملحوظة من الذهب، كتركيا التي دفعت بـ60 طناً في آذار 2026 الى الأسواق، كما تراجعت وتيرة الطلب العالمي من البنوك المركزيّة بعد سنوات من المشتريات القياسية، ما أفقد أسعار الذهب أحد أهم عوامل الدعم”.
ولفت إلى أن “المستثمرين يعمدون إلى تقليص مراكزهم في الذهب وبيع جزء من حيازاتهم لتوفير السيولة أو لتلبية متطلبات الهامش في فئات أصول أخرى، وذلك بعدما سجل الذهب مستويات تقييم مرتفعة جداً في بداية العام”.
وشدد على أن “الطلب الفعلي على الذهب والمجوهرات ينخفض خلال فصل الصيف لأسباب موسميّة، إذ يشهد شهرا حزيران وتموز عادةً فترة ركود قبل انطلاق موسم الأعراس في آسيا خلال الخريف، ما يزيد من الضغوط النزولية على الأسعار”.
وأضاف: “بعد أن سجل الذهب مستوى قياسياً تجاوز 5586 دولاراً للأونصة في 29 كانون الثاني 2026، تراجع سعره بأكثر من 20% ليتراوح بين 4000 و4100 دولار للأونصة خلال تموز، مسجلاً أسوأ أداء فصلي له منذ 13 عاماً، مع انخفاض بنحو 16% خلال الربع الثاني المنتهي في نهاية حزيران”.
وفي ما يتعلق بالسوق اللبنانية، تؤكد مصادر عاملة في قطاع الذهب أن الطلب لا يزال قائماً، إلا أنّ طبيعته تبدّلت خلال السنوات الماضية، إذ بات الإقبال يتركز بصورة أكبر على الليرات والأونصات الذهبيّة باعتبارها وسيلة للادّخار وحفظ القيمة، في حين تراجع الطلب على المجوهرات نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائيّة. وتشير المصادر إلى أنّ أي تغيير في الأسعار العالمية ينعكس مباشرة على السوق المحلّية، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي يدفع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى الاحتفاظ بالذهب كأحد أبرز أدوات حفظ القيمة.
ورغم الضغوط التي يتعرض لها الذهب حالياً، ترى مصادر ماليّة أنّ التراجع الحالي لا يعني بالضرورة انتهاء الاتجاه الصعودي للمعدن النفيس، بل قد يكون مرحلة تصحيح طبيعيّة بعد المكاسب الكبيرة التي حققها خلال الأشهر الماضية. وتؤكّد أن مستقبل الأسعار سيبقى رهناً بتطورات السياسة النقدية الأميركيّة، واتجاه الدولار، والأحداث الإقليمية والدولية، ما يعني أن الذهب سيواصل تقلّباته، لكنه سيحافظ على مكانته كأحد أبرز الملاذات الآمنة وأدوات التحوط في أوقات عدم اليقين.
رغم التراجع الذي يشهده الذهب حالياً، لا تزال العوامل المؤثّرة في أسعاره متشابكة، ما يجعل من الصعب الجزم باتجاهه خلال المرحلة المقبلة. وبين السياسة النقدية الأميركية والتطورات الجيوسياسية وتقلبات الدولار، سيبقى المعدن الأصفر في دائرة الاهتمام، محافظاً على مكانته كأحد أبرز أدوات التحوط في أوقات عدم اليقين.



