يعد الخوف من العوامل الأساسية لرفع مستوى بريق الذهب، وليس ما تشهده المنطقة حالياً مجرّد “خوف” من شأنه التأثير على بورصة الذهب، إنما يتعدّاه إلى حرب شاملة انطلقت من إيران ولا يُعرف مداها الجغرافي والزمني حتى اللحظة. هذه الحالة الممزوجة بصدام عسكري مباشر وعدم يقين طويل الأمد كفيلة بإحداث خضة كبيرة في البورصات العالمية عند افتتاحها يوم الاثنين ومن بينها بورصة الذهب.
ولعل تاريخ الذهب على مدار عصور يكشف حجم تأثره بالحروب والنزاعات، وهو ما يشي بخضة كبيرة قد تنتظر المعدن الأصفر فور انطلاق جلسات التداول.
خضّة مرتقبة في سوق الذهب
تشكّل التوترات الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً على أسعار الذهب عالمياً، فالذهب تاريخياً يتحرّك مع الحروب والصراعات صعوداً كأبرز “الملاذات أماناً”. يلجأ المستثمرون والبنوك المركزية إلى المعدن الأصفر لحماية الأصول من التضخم وانهيار العملات، واضطراب سلاسل الإمداد. وما يحصل اليوم في الشرق الأوسط يفوق بخطورته كل ما سبق، فحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران فجّرت منطقة الشرق الأوسط وهزّت أمن دول الخليج العربي برمتها وعطّلت أحد أبرز سلاسل الإمداد في العالم “مضيق هرمز”.
ومن شأن التصعيد العسكري الواسع في المنطقة أن ينعكس فوراً على أسواق الطاقة والذهب. وقد شهدنا ارتفاعاً كبيراً في أسعار النفط خارج التداولات، وهذا ما يؤكد انفلات الأسعار مع انطلاق التداولات غداً.
وبينما أكدت واشنطن مع بدء الهجمات على إيران أنها ستستهدف إنهاء التهديدات الأمنية، سارعت طهران إلى الرد بإطلاق صواريخ نحو إسرائيل كرد فعل طبيعي، ثم اتسعت ردود الفعل إلى استهداف دول الخليج من السعودية وقطر إلى الإمارات والبحرين وسواها، وهذا ما عزّز مخاوف المستثمرين من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع وأكثر شراسة.
هذا الواقع تحديداً دفع المحلّلين إلى شبه يقين بأن الأسواق ستفتتح تعاملاتها على ارتفاع حاد بالأصول الآمنة وفي مقدمتها الذهب، في حين يُرجّح أن تقفز أسعار النفط بفعل تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. كما يتوقع محلّلون أن تتعرض العملات والأصول عالية المخاطر لتقلبات كبيرة بسبب استمرار التهديدات في المنطقة، لا سيما بعد مقتل المرشد الأعلى لإيران علي خامنئي، وهذا ما يمكن أن يوسّع نطاق المواجهة إقليمياً.
مراحل قفزات أسعار الذهب
على الرغم من بلوغ الذهب في الفترة الأخيرة مستويات قياسية غير أن وجوده اليوم في قلب حرب طاحنة واسعة النطاق، يتوقع غالباً أن يستفيد من الإرباك العالمي ويستمر بالارتفاع تزامناً مع استمرار العمليات العسكرية التي لا يُتوقّع توقفها قريباً.
ويمكن اختصار مسار الذهب في الساعات والأيام المقبلة بنظرية مساواة التوتر الجيوسياسي مع زخم الارتفاع. وهو ما أثبتته الأحداث العالمية مراراً وتكراراً، من حرب روسيا وأوكرانيا مروراً بحرب إسرائيل على حماس وحزب الله ووصولاً إلى حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ففي كافة تلك المنعطفات والحروب ارتفع الذهب على نحوٍ جنوني.
وبالعودة إلى بعض المحطات العالمية التي استنفرت أسواق الذهب وحلّقت بأسعاره، تبقى انطلاقة عدم اليقين الاقتصادي من فترة سبعينيات القرن الماضي حين انهيار نظام بريتون وودز (Bretton Woods) ودخلت الولايات المتحة مرحلة من الركود التضخمي. حينها حلّقت أسعار الذهب لأول مرة في تلك الحقبة وبدأ المعدن الأصفر يبرز كملاذ آمن في وجه العملات لاسيما منها الدولار الأميركي.
تكرّر السيناريو عام 2008 مع انطلاق الأزمة المالية العالمية وما لحقها من انهيار للبورصات وتراكم الديون الأوروبية فقد شهدت دول العالم هروباً تاريخياً باتجاه الذهب ما رفع السعر من محيط 700 دولار إلى محيط 1300 دولار أي قرابة الضعف.
وتلت تلك المحطات أزمة انتشار جائحة كورونا عامي 2020 و2021 وما رافقها من تعطّل لكل اقتصادات العالم، حينها ارتفع سعر الذهب وكسر سقف 2000 دولار للمرة الأولى. وعلى الرغم من تراجعه بشكل كبير بعد انتهاء جائحة كورونا، عاد ليرتفع بشكل جنوني منذ عام 2024 وحتى اللحظة بسبب التوترات التجارية والجيوسياسية والحروب ومخاوف التضخم.
ماذا ينتظر الذهب
يتوقع محللون ومتداولون في البورصات العالمية أن ينتقل مسار الذهب في المرحلة المقبلة من مرحلة المخاوف إلى مرحلة المواجهة. بمعنى آخر الانتقال من تهديدات محتملة إلى حرب واقعة.
ولا بد من التذكير بأن أسعار الذهب انطلقت مع إغلاق يوم الجمعة بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه “يتعين عليه اتخاذ قرارات سيئة جدًا بشأن إيران” فأغلقت على ارتفاعات سعرية كبيرة. وسجّل الذهب حينها 5278 دولاراً للأونصة في حين سجّل الفضة قفزة بلغت أكثر من 93 دولاراً للأونصة.
من هنا يرجّح خبراء انطلاق سعر أونصة الذهب مع بدء التداولات على نحوٍ متسارع صعوداً، مع بلوغ الحرب في الشرق الأوسط مراحل خطرة ومتقدّمة، ويرجّح العديد من المتداولين انطلاق السعر من 5500 دولار وما فوق.



