في الحرب، لم يسلم النازحون من المناطق المستهدفة في العدوان الإسرائيلي من جشع بعض مالكي العقارات في المناطق التي صُنّفت «آمنة». ومع انحسار العدوان تدريجياً، ورغبة قسم منهم في نزع صفة النزوح والعودة إلى مناطقهم، وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة الاستغلال نفسه.
مجدداً، تُرك المستأجر وحيداً في مواجهة سوق لا تحكمها إلا حاجة الناس إلى سقف يأويهم. فلا سقوف للعمولات، ولا ضوابط لبدلات الإيجار، ولا حماية من اشتراط الدفع المسبق لأشهر طويلة، ولا جهة تردع الممارسات التي حوّلت حق السكن إلى سلعة تُباع لمن يملك القدرة على الدفع فقط.
في الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تحولت، وعلى الرغم من الهواجس الأمنية، إلى مقصدٍ لآلاف العائدين من أبنائها، فضلاً عن أهالي القرى المحتلة والمتضررة في الجنوب. في شوارعها وأسواقها، بدأت الحياة تدبّ تدريجياً. غير أن تعافي المنطقة لم ينعكس على سكانها، فالحرب خلّفت آلاف العائلات من دون منازل، وأدّت لخسارة الوظائف والأعمال أو مصادر الرزق، والأجور والرواتب بقيت على حالها، ضئيلة، وعاجزة عن مواكبة الارتفاع المتواصل في بدلات الإيجار وكلفة السكن.
الإيجارات إلى ارتفاع
صحيح أن أسعار الإيجارات لم تشهد القفزة الجنونية التي أعقبت عدوان 2024، إلا أنها بدأت ترتفع تدريجياً مع كل مؤشر إلى «عودة الحياة» إلى الضاحية. فكلما تعزز الحديث عن الاستقرار، ارتفعت الأسعار، ولا سيما في الأحياء التي لم تتعرض لدمار واسع، حتى وإن كانت تُعدّ سابقاً من المناطق الشعبية ذات الإيجارات المقبولة.
وتتفاوت الأسعار اليوم بصورة كبيرة بين حي وآخر. ففي مناطق مثل حي السلم وبرج البراجنة، يمكن استئجار غرفة مع خدماتها الأساسية مقابل نحو 200 دولار شهرياً، فيما ترتفع الشقة نفسها، بالمواصفات ذاتها تقريباً، إلى نحو 300 دولار في مناطق مثل صفير والكفاءات، قبل أن تصل في مناطق أخرى إلى مبالغ تراوح قيمتها من 700 إلى 900 دولار شهرياً، تبعاً لموقع العقار ومستوى الخدمات المحيطة به.
خسر سكان الضاحية نحو 4900 وحدة سكنية دُمّرت كلياً خلال عدوان 2026 فضلاً عن آلاف الوحدات المتضررة جزئياً وغير الصالحة للسكن
واللافت أن نشاط السماسرة عاد إلى الضاحية بعد أيام قليلة من أول هدنة في 17 نيسان. يومها بقيت الأسعار ضمن حدود مقبولة نسبياً، لكنها بدأت ترتفع مع كل حديث عن تمديد الهدنة، قبل أن تسجل قفزة إضافية عقب توقيع الاتفاق الإطاري بين إيران والولايات المتحدة في منتصف حزيران الماضي، وما تبعه من ترسيخٍ للهدوء النسبي.
من جهتهم، يبرر السماسرة هذا الارتفاع بازدياد الطلب على استئجار الشقق مع تحسن المؤشرات الأمنية، خصوصاً بعدما خسر سكان الضاحية نحو 4900 وحدة سكنية دُمّرت كلياً خلال عدوان 2026، فضلاً عن آلاف الوحدات المتضررة جزئياً وغير الصالحة للسكن، يضاف إليها نحو 9000 وحدة سكنية دُمّرت بالكامل خلال عدوان 2024.
كما يبررون الفوارق الكبيرة في الأسعار بأن المستأجرين يتجهون إلى الأحياء الأقل تضرراً، نظراً إلى استمرار الخدمات الأساسية فيها، وابتعادها عن ورش إزالة الركام وما تسببه من ضوضاء وغبار، ما يرفع الطلب على هذه المناطق، ويدفع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها.
شبكات «المندوبين» تضاعف العمولة
غير أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الإيجارات، بل تمتد إلى ما يصفه مستأجرون بـ«بلطجة» بعض المكاتب العقارية والسماسرة. ففي السابق، كانت عمولة المكتب في الشقق العادية تتراوح بين 50 و100 دولار، بصرف النظر عن قيمة الإيجار، انطلاقاً من أن غالبية المستأجرين من ذوي الدخل المحدود.
أما اليوم، فقد باتت مكاتب كثيرة تشترط على المستأجر دفع ما يوازي بدل الإيجار الشهري كاملاً كعمولة للمكتب، سواء بلغ الإيجار 200 دولار أم 800 دولار. وبذلك، يصبح من يريد استئجار شقة متواضعة مقابل 200 دولار ملزماً بتأمين 400 دولار منذ البداية، وهو مبلغ يفوق قدرة كثيرين، ما يبقيهم عاجزين عن إيجاد مأوى.
وعلمت «الأخبار» أن المكاتب العقارية المرخصة غالباً ما تتقاضى عمولات ضمن الحدود المتعارف عليها، فيما تكمن المشكلة الأساسية في انتشار مكاتب وسماسرة يعملون خارج أي إطار قانوني، ويتكاثرون بصورة لافتة. ويعتمد هؤلاء على شبكة من «المندوبين» الذين يتولون استقطاب المستأجرين لقاء حصة من العمولة، ما يدفع المكاتب إلى رفع قيمة العمولة لتعويض ما يُدفع لهؤلاء وتحقيق هامش ربح أكبر.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ بات بعضهم ينشر إعلانات توظيف ظاهرها توفير فرص عمل سهلة، فيما حقيقتها البحث عن مندوبين يعملون بالعمولة، بما يسمح للمكاتب بتوسيع نشاطها من دون تحمل كلفة موظفين ثابتين، مستغلين في الوقت نفسه حاجة الناس إلى العمل والسكن معاً.
الدفع المسبق شرط جديد للسكن
وبالتوازي، برزت ظاهرة فرض دفع بدلات الإيجار سلفاً لثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وأحياناً لعام كامل، بذريعة الأوضاع الأمنية واحتمال تجدد العدوان، بما يضمن للمالك تحصيل مستحقاته مسبقاً.
ويستند بعض المالكين في ذلك إلى تجربة العدوان السابق، حين طالبوا مستأجرين، على الرغم من نزوحهم القسري، بتسديد بدلات الإيجار عن أشهر الحرب، علماً أنه تعذر عليهم الانتفاع الفعلي من المأجور.
تكشف هذه الوقائع أن استغلال الأزمات لم يعد استثناءً، بل تحوّل إلى واقع تكرّسه الفوضى التشريعية وغياب أي إطار قانوني ينظّم سوق الإيجارات ويحمي المستأجرين.
فبينما تتعافى الأسواق وترتفع الأسعار مع كل بارقة استقرار، يبقى المواطن أسير راتب لم يتغيّر، وخسائر لم تُعوَّض، وسوق مفتوحة على الاستغلال، فيما يتحوّل الحق في السكن، شيئاً فشيئاً، إلى امتياز لا يملكه إلا القادر على الدفع.



