ادّعى وزير الطاقة جو صدّي على كاشف فساد في قضية بواخر الفيول المُزوّر، متّهماً إياه بتهديد الأمن القومي الاقتصادي، على خلفية مطالبته المصرف المراسل بعدم تمرير شحنات فيول قبل التثبّت من قانونية مستنداتها
اختار الوزير جو صدّي، الوافد حديثاً إلى وزارة الطاقة والمياه ومبعوث حزب «القوات اللبنانية» لـ«مكافحة الفساد» فيها، أن يفتح مواجهة سياسية وقضائية مع المهندس فوزي مشلب، مدّعياً عليه أمام النيابة العامة التمييزية بتهمة «تهديد الأمن القومي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي».
وكان صدّي نفسه قد طلب لقاء مشلب في وقت سابق، واستمع إلى المعلومات التي يملكها حول دخول فيول ذي منشأ روسي إلى لبنان بعد تلاعب الشركة المورّدة بمصدره الأصلي لتفادي العقوبات الدولية، وما يترتّب على ذلك من مخاطر قانونية ومالية قد تطاول لبنان والمصرف المركزي.
وبناءً على إخبارات مشلب المُقدّمة إلى مديرية الجمارك والنيابة العامة المالية، قامت «الجمارك» بحجز باخرة فيول «Hawk III» بعدما تبيّن أنّ مستنداتها مُزوّرة في ما يخص بلد المنشأ، وفرضت غرامة قيمتها 10 ملايين دولار، إضافة إلى حجز كفالة مالية لشركة Sahara Energy بقيمة 5 ملايين دولار. كما حجز القضاء 12 مليون دولار احتياطاً إلى حين انتهاء التحقيقات حول عدة بواخر لشركة Iplom International SA، و18 مليون دولار أخرى في ملف شركة BB Energy.
لكن، رغم ذلك كلّه، قرّر صدّي في نهاية المطاف الاكتفاء بدور وزارة الطاقة كساعي بريد بين الأطراف المعنية باستيراد النفط من شركات ومصارف، متجاهلاً دوره الرقابي الأساسي المتمثّل في التدقيق في مستندات الشركات المورّدة، والتأكّد من منشأ الفيول، ومدى قانونية عملية التوريد برمّتها.
وبعد فشل محاولات مشلب مع صدّي، على مدى سبعة أشهر، لإجبار الشركات على الالتزام بمتطلّبات دفتر الشروط وإلزامها بإبراز مستنداتها، وآخرها الباخرة Can KA التي وصلت قبل أسبوعين إلى لبنان، لجأ مشلب الأربعاء إلى مراسلة مصرف لبنان والمصرف المراسل الأميركي JP Morgan، الذي تمرّ عبره الاعتمادات الخاصة باستيراد الفيول. وأبلغهما أنّ باخرة Can KA التابعة لشركة Iplom International SA، القادمة من مرفأ مرمرة، يجب إخضاع مستنداتها، كما كل البواخر القادمة من هذا المرفأ، للتدقيق والتحقّق من بلد المنشأ قبل صرف المستحقات، بسبب أن مرفأ مرمرة يخضع لتحقيقات أوروبية متعلّقة بعمليات تزوير تديرها شركة Alkagesta الأذربيجانية، التي تبيع النفط الروسي الخاضع للعقوبات على أنه نفط ذو منشأ مختلف.
وأوضح مشلب في مراسلته أن الهدف هو حماية لبنان من العقوبات المالية والتبعات القانونية التي ستطاوله في حال تبيّن أنه يستورد نفطاً روسياً مُزوّراً. ولم يرد في المراسلة، أي طلب من مشلب إلى المصرف الأميركي بعدم التعامل مع لبنان، أو الامتناع عن تمرير اعتمادات استيراد الفيول، بل اكتفى بالتأكيد على ضرورة التدقيق في مستندات هذه الباخرة وسواها من البواخر المشكوك فيها. في المقابل، اتّهمه صدّي بأنه «متآمر على الدولة والمجتمع والقطاع الخاص».
وسريعاً، تدخّل القاضي جمال الحجار، وحوّل ملف الادّعاء إلى مديرية المخابرات التي استدعت مشلب للتحقيق. وجاء هذا التحرّك القضائي بعد أن راسل مصرف JP Morgan صدّي طالباً توضيحات.
قبل ذلك، كان مشلب قد قدّم إخباراً بشأن هذه الباخرة أمام النيابة العامة المالية، وعلى أثره طلب القاضي ماهر شعيتو من الشركة المورّدة إبراز مستنداتها للتثبّت من مصدر 35 ألف طن من الفيول أويل، كانت الباخرة تنتظر إذن إفراغها في لبنان. وخلال أسبوعين، لم تتمكّن الشركة إلّا من تقديم مستندات لـ14 ألف طن فقط من أصل 35 ألفاً، مدّعيةً أن مصدرها كازاخستان، وكان البيان المُقدّم عبارة عن بيان «ترانزيت» عمره ستة أشهر، وهو أمر غير مُقنِع عملياً ومنطقياً، فيما لم تتمكّن من إثبات مصدر باقي الحمولة.
وقبل ثلاثة أشهر، حصل الأمر ذاته، حين أفرغت باخرتا Hawk III وMinerva Anna التابعتان لشركة Sahara حمولتهما وغادرتا لبنان، تحت ضغوط مورست على مديرية الجمارك. بعد ذلك تحرّك القاضي شعيتو بناءً على إخبار من مشلب، وحتى اليوم ترفض الشركة الامتثال لطلبه بتقديم مستندات تُثبِت منشأ الفيول.
جوهر النقاش يكمن في خوف صدّي من تحرّك مصرف JP Morgan، ما يثير علامات استفهام حول رفضه التدقيق في مستندات الشركات، في الوقت الذي كانت فيه أمام الوزير القواتي فرصة لإثبات جدّية «المشروع الإصلاحي» للقوات في وزارة الطاقة، علماً أن مشلب كان قد كشف ملفات وقدّم إخبارات خلال ولاية وزيرَي الطاقة السابقين، ريمون غجر ووليد فياض، المحسوبيْن على التيار الوطني الحر، بخلاف مزاعم صدّي حول استهدافه سياسياً بحجة قرب مشلب من التيار العوني.



