الصندوق السيادي… وشروط نجاحه

0

«غابت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد»
أبو الطيب المتنبي

****

من المتعارف عليه دولياً ان الصندوق السيادي هو صندوق مملوك من الدولة، يتألف من اصول كالعقارات والاسهم والسندات وعائداتها. ويهدف الى ادارة الفائض المالي في دولة معينة عبر الاستثمار في القطاع العقاري والاقتصادي والمالي.

سنة 2018 تمّ طرح قانون انشاء صندوق الثروة السيادية في لبنان على اللجان النيابية المشتركة، فنصت المادة 3 منه على انشاء صندوق للثروة السيادية بموجب قانون خاص.

والقانون المقترح ينشئ صندوقين فرعيين:

محفظة للمدخرات: تهدف الى استثمار عائدات النفط لصالح الاجيال القادمة.

محفظة للتنمية: تهدف الى تقليص الدين العام، تودع فيه ايرادات الضرائب على شركات النفط التي يمكن استعمالها لتسديد الدين العام.

ويحق للحكومة ان تستعمل جزءاً من الفوائد المحصلة لتمويل نفقاتها.

كما كثرت في الآونة الاخيرة الاحاديث والتصريحات عن وجوب انشاء صندوق سيادي لادارة املاك الدولة واستثمار المؤسسات العامة او ذات منفعة عامة (كهرباء – مياه – هاتف….). وقد طالبت المصارف بايداعها عائدات النفط لتمكينها من ادارة المحفظة المالية وغيرها من المقترحات غير القانونية وغير الدستورية والتي يقتضي، وفي حال اقرارها، وضع شروط لادارتها بشكل شفاف وحكيم بعيداً عن الزبائنية والمحاصصة.

ما سبق يفرض بحث المواضيع التالية:

1 – شرط يسر الدولة:

من المتعارف عليه لنشوء صندوق سيادي، وجوب ان يكون لدى الدولة فائض يخصص للاستثمار.

اما في لبنان فالفائض غير متوفر، ما يجعلنا نشكّ في مدى فعالية مثل هذا الصندوق والغاية منه، وما اذا كان سيعرّض املاك وعائدات الدولة اللبنانية الى الخصخصة والاستنسابية.

2 – شرط الشفافية:

وهذا الشرط هو حيوي لنجاح مثل هذا المشروع، فمقررات وطريقة ادارة هذا الصندوق يجب ان تكون علنية وفق اطر قانونية محددة وشفافة. لهذه الغاية يقتضي ان تعطى الصفة لهيئات المجتمع المدني او للنقابات للمراقبة والمداعاة في ما لو خرقت القوانين واصول الادارة الشفافة والحكيمة.

3 – علنية الإدارة ووضع دفاتر الشروط:

تأمينا للشفافية وحسن الادارة وحصراً للتدخلات والمحاصصات التي اعتدناها في لبنان، يقتضي فرض نشر محاضر مجلس الادارة، وآلية تعيين المدراء وكفاءاتهم ومؤهلاتهم، بالاضافة الى فرض اعتماد دفاتر شروط بمعايير عالمية وفرض كفالات حسن تنفيذ، وغيرها من الآليات المعتمدة التي تؤمن حسن استثمار عقارات ومرافق الدولة بأجزل الشروط وبفعالية ومنفعة قصوى لمصلحة الصندوق.

هنا تجدر الاشارة الى وجوب اعتماد المنع المعتاد في القانون اللبناني (الدرجة الرابعة)، وفرض الحظر على اي من رئيس الجمهورية او عضو في الحكومة الحالية او السابقة (فترة عهد، اي ست سنوات) او في المجلس النيابي او في مجلس ادارة الصندوق او من اعضاء اللجان او الهيئات المراقبة او احد اقاربهم لغاية الدرجة الرابعة ان يتقدم لاستثمار اي من المشاريع المطروحة للمزايدة، او ان يكون شريكاً في اي من الشركات المتقدمة مهما صغرت حصته او حصة اقربائه.

4 – ادارة وموظفو الصندوق:

هنا تكمن اهمية بالغة، فهل يعتمد التعيين (الامر الذي يؤدي الى محاصصة وحكماً الى عرقلة عمل الصندوق) ام يعتمد التوظيف والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: من قبل من، ومن يكون المرجع الذي يوظف؟ وما هي الشروط والمؤهلات المطلوبة ومن يضعها؟

فخبرتنا مع اركان الدولة بهذا الموضوع اصبحت اشهر من ان نتناولها، ما يحملنا على اقتراح نظام هجين للتوظيف. لكنه يضمن الحد الادنى من الاستقلالية، الذي بموجبه تعرض النقابات اسماء اعضاء مجلس الادارة الذين يكونون من حملة الشهادات (دراسات عليا حد ادنى) و/ او خبرة لا تقلّ عن الخمس سنوات في القطاع المالي والعقاري والاقتصادي والاستثماري. ويصار الى التصويت عليهم من قبل مجلس النواب ولفترة سنتين.

يقيّد مجلس النواب بالتصويت ضمن مهلة معينة تحت طائلة اعتباره مستقيلا من هذا الدور، منعاً للفراغ الاداري في الصندوق وتأميناً لحسن سير اعماله، واحتياطاً للممارسات التعسفية للسياسيين الذين يعطلون المرافق العامة سعياً وراء مكسب سياسي معين.

وفي حالة الامتناع يصار الى انتقاء الاكبر سنا والاكثر خبرة حكماً دون حاجة لاصوات المجلس النيابي الممتنع، ما يلزمه القيام بواجباته.

الامر الذي يعالج المشكلة الاساسية التي تعاني منها مؤسسات الدولة: انتفاء المهل وعدم وجود عواقب لعدم احترام هذه المهل.

كما يقتضي تحديد الحد الاعلى للوظائف التي يمكن ان تنشأ عن الصندوق وآلية تسديد رواتب العاملين وارتباطها بالارباح التي قد يحرزها الصندوق. بحيث اذا حقق خسائر تكون الرواتب والمخصصات بالحد الادنى، ما يشجّع ويحفّز الموظفين على الانتاجية و تحقيق الارباح.

5- طبيعة الصندوق والرقابة عليه:

تحديد طبيعة الصندوق وكيانه القانوني له فائدة جوهرية لناحية تحديد القضاء المختص للبت بالنزاعات الناشئة عن ادارته او لمخاصمته.

يضاف الى ذلك، وجوب تحديد الهيئات الرقابية، وتطبيق اصول العلنية والشفافية لناحية امكانية الوصول الى المعلومات، تمهيداً للممارسة الرقابة من قبل الدولة اللبنانية ومن قبل الهيئات المدنية والنقابات.

كما يقتضي اعطاء الصفة اقلّه لنقابة المحامين او نقابات المهن الحرة، لمراجعة القضاء في ما لو تيبن لها مخالفة ادارة الصندوق للقوانين المرعية الاجراء، دون تقييد الملاحقات باذونات مسبقة تحول دون امكانية مقاضاة هيئة ادارة الصندوق عند مخالفتها القوانين، او عند تفضيل مصالح خاصة على المصلحة العامة.

رفع السرية المصرفية

واهم عنصر من عناصر المراقبة، يكمن في وجوب اعتبار السريّة المصرفية مرفوعة حكماً عن اعضاء مجلس ادارة الصناديق والموظفين فيها واقاربهم لغاية الدرجة الرابعة، في ما لو تبين ان لهم علاقة باي استثمار من اي نوع كان مع الصندوق المستقلّ، وذلك تأمينا للشفافية وحسن المراقبة والمحاسبة.

من الحيوي والجوهري، ترتيب نتائج قانونية مدنية (كالبطلان – التعويض – اعادة الحال الى ما كانت عليه…) وجزائية (سجن – تعويض….) والاهم هو امكانية ملاحقة الاموال اينما وجدت، وايراد عبارات في القانون المنشئ للصندوق السيادي يستفاد منها اسقاط المتعاقد معه لحقه في الاستفادة من احكام السرية المصرفية في اي بلد كان، متى قرر التعاقد مع الصندوق السيادي المرتقب انشاؤه.

وما ذكر ينطبق على الصندوق السيادي المنوي انشاؤه لادارة الثروة النفطية، هنا ايضا تبرز المطامع الكثيرة للطبقة الحاكمة.

إلغاء الحصانات والمخصصات والإمتيازات

المشكلة الاساسية في الدولة اللبنانية هي اخلاقية بامتياز. فالسياسيون يعتبرون الدولة كشركة خاصة بهم يملكون كافة مقدراتها، دون اي مخطط يحمي مقدرات الوطن للاجيال القادمة، فمفهوم المواطنية والحسّ والانتماء الوطني منتفيان.

ما لم تلغ الحصانات والمخصصات والامتيازات التي يتمتع بها النواب والوزراء لتصبح النيابة والتوزير كمن يقوم بالخدمة الاجبارية بمعنى الواجب الوطني دون مقابل؛ سيبقى لبنان رهينة من يعتبر العمل السياسي (تشريعياً كان أم تنفيذياً) كاستثمار تجاري يدرّ الارباح ويمنح الاولويات في التزام المشاريع ويعطي حصة من مداخيل الدولة اللبنانية.

إستقلالية القضاء أولاً وأخيراً

والاهم من كل ذلك، استقلالية القضاء السلطة المخولة تطبيق القوانين والسهر على صحة تنفيذها. فما نفع القوانين في ظلّ تعطيل متعمد للجسم القضائي المولج تنفيذها، فهي اولا وأخيراً النقطة المفصلية لمستقبل لبنان، والتي اذا ما استمرّت الطبقة الحاكمة بتعطيلها او غض النظر عن البت بقانون استقلالية القضاء ستكون اوّل من يتحمّل تجاه التاريخ مسؤولية الفوضى وعدم الاستقرار المالي الاقتصادي والاجتماعي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here