العملة الرقمية خطوة إصلاحية تهدّد “بحبس” الليرة

0

التعامل النقدي يعتبر بيت الداء في الاقتصاد، ولا عجب إن كانت هذه الظاهرة تتركز في الدول المتخلفة، وتكاد تكون شبه غائبة في الدول المتقدمة والمتطورة. حتى ان “بعض الدول الأوروبية كانت قد تقدمت قبل سنوات قليلة بمشروع قانون وقف التعامل النقدي باليورو بشكل كلي، والاعتماد فقط على التداول الرقمي”، بحسب منصور. “وعربياً نجحت الجهود المصرية لمحاربة الفساد في إدخال الدفع بالعملة الرقمية في المعاملات الرسمية في القطاع العام منذ العام 2018”. أما في لبنان فان مثل هذا المشروع المهم الذي يتيح ملاحقة الاموال، والتأكد من مصدرها وطريقة دورانها، “سيواجه مقاومة شرسة من كل الذين يعارضون مشروع بناء الدولة” برأي منصور. “وسيحاولون تعطيله بشتى الوسائل، لانه يحد من قدرتهم على التلاعب بالنقد والتهريب والمضاربة على الليرة وتفلت الاقتصاد”. وعليه تعتبر منصور انه “من المهم جداً إستباق مثل هذا القرار بحملة توضيحية تفصيلية تبين إيجابياته، والتي منها على سبيل الذكر لا الحصر سهولة التعامل وسرعته والتخفيف من أخطار تخزين الاموال في المنازل ووقف المضاربة على الليرة”. وعلى عكس ما يعتقد الكثيرون فان الانتقال الى العملة النقدية بحسب منصور “لا يعتبر سياسة نقدية تهدف إلى معالجة الأزمة المصرفية، بل إعادة تنظيم التبادل النقدي. وهي تتيح إستعمال كامل المبلغ الموجود في الحساب لكن عبر البطاقات”.

خدعة العملة النقدية لبنانياً

بعدما بدأت ثقافة التعامل بوسائل الدفع الالكترونية تنتشر بشكل كبير خصوصاً في المدن وكبريات المتاجر والمطاعم ومحطات الوقود.. أتت الأزمة النقدية وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي لتشلها. و”ما زاد الطين بلة” تعميم مصرف لبنان رقم 573 الذي فرض على الشركات المستوردة سداد المبالغ المتوجبة عليها للمصارف بالليرة اللبنانية نقداً. ما دفع بالشركات والمؤسسات ومحلات بيع التجزئة إلى رفض التعامل بالبطاقات المصرفية. فكيف سينتقل مصرف لبنان إلى التعامل الرقمي إن كان يمنع في المقابل إخراج التجار اموالهم لتحويلها الى دولار وتمويل عملياتهم التجارية في الخارج؟ هنا بالضبط بيت القصيد بحسب الخبير الاقتصادي داني قزي. الذي يسأل: “إذا لم يتمكن المودعون من إخراج أموالهم من البنك، ألا يعني ذلك ان المركزي قد أطلق بالفعل عملة رقمية، أو بشكل أكثر دقة، عملة وهمية!؟ ولتبسيط الامور فان قزي يعتبر ان “التصريح بإعداد مشروع عملة رقمية ما هو إلا إطلاق تسمية على منع سحب الدولار من المصارف وتحويله إلى لولار، ووضع سقوف لسحب المبالغ بالليرة اللبنانية. وللتوضيح أكثر فلنفترض ان مودعاً ما يملك 100 الف دولار في المصرف. فهو لا يستطيع أن يسحب في الشهر أكثر من 3 ملايين و900 الف ليرة أي 1000 دولار بحسب التعميم 151 أما الباقي أي 99 الف دولار فأصبح عملة رقمية لا يستطيع استعماله إلا عبر الدفع الإلكتروني. من هنا يرى قزي ان كل ما يهم مصرف لبنان هو فقط تخفيف كمية الليرة بين أيدي المواطنين لكي لا تتحول إلى دولار بشكل مباشر عبر الصرافين وبشكل غير مباشر عبر شراء السلع المستوردة بنسبة 99 في المئة. ففي هذه الحالة لا يعود بمقدور المودع أن يحمل شيكاً أو بطاقة مصرفية ويذهب بها إلى الصراف لشراء الدولار.

من وجهتها تعتبر منصور، المدافعة الأكبر عن العملة الرقمية ان تمويل الاستيراد لن يتوقف. فمن شأن العملة الرقمية ان تنقل المعاملات من الصيارفة إلى المصارف. ومن الممكن خلق وحدات صرافة بسعر السوق الموازي بداخل المصرف تؤمن للتجار تحويل ما في حساباتهم من ليرة إلى دولار من أجل تمويل عمليات الشراء من الخارج.

الانتقال إلى العملة الرقمية لن يكون بهذه السهولة. فعدا عما تتطلبه هذه العملية على الصعيد المعنوي من اعادة الثقة بالقطاع المصرفي وخلق وعي جماعي وقبول للتخلي عن الأوراق النقدية، فانها من الجهة الاخرى تتطلب إشراك أكبر قدر ممكن من المهن والقطاعات الانتاجية والخدماتية بالمصارف وتوفير ماكنات الدفع عبر البطاقات في مختلف المؤسسات وفي سيارات الإجرة ودكاكين الأحياء وغيرها الكثير من المجالات التي قد لا نتخيل أن ندفع لها بالبطاقات. لكن رغم التعقيدات التقنية فان العملية “تستحق المحاولة”، برأي منصور وذلك نظراً لاهميتها القصوى في الحد من الاقتصاد غير الشرعي وتبييض الاموال. كما ان مثل هذه الإجراءات تعتبر الخطوة الأولى على طريق تحقيق حلم صندوق تثبيت القطع “currency board”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here