كثر الحديث عن ظاهرة الفساد المستشرية في لبنان.. وقد تعددت أشكال الفساد في هذا البلد: في الإدارات وفي القطاعات الأخرى، مثل الكهرباء والدواء والأغذية، مما انعكس بالسوء على حياة المواطن اللبناني. والأيام الماضية سلطت وسائل الاعلام الضوء على هذه الظاهرة التي تثقل كاهل اللبنانيين.
ومن الطبيعي القول، عندما تتفكّك مؤسسات الدولة اللبنانية، وتضعف هيبة الدولة وتمتد يد السلطة في فم القضاء، تغيب الشفافية ويصبح لبنان بكافة قطاعاته مرتعاً للفساد والمفسدين. وفي هذا اصدد يقول أمين سر الفرع العربي للشبكة البرلمانية العالمية لمكافحة الفساد، غسان مخيبر، إن لبنان مليء بالفساد على كل المستويات، في القطاعين الخاص والعام، وهو يكلف خزينة الدولة وكذلك جيوب المواطنين.. ولكن يبقى السؤال: هل لبنان هو الوحيد الذي يعيش هذه الظاهرة، أم أن ظاهرة الفساد عربية وعالمية، ومنتشرة في كل مكان؟
لا يحتاج اكتشاف الفساد لأدلة كثيرة في العديد من دول العالم العربي، فحالات الثراء السريع والمفاجئ دالة كافية على وجود شبهات فساد. وتقول الإحصائيات صراحة أن كلفة الفساد في العالم العربي تبلغ 3 في المئة من الناتج المحلي، وتقدر بـ 90 مليار دولار سنويا. هذه الأموال “المسروقة”، التي تذهب لحسابات وجيوب زعماء ورجال أعمال، كان يمكن أن تجسر الفجوة الاجتماعية المتنامية في هذه البلدان، وتعالج مشكلتي الفقر والبطالة المتفاقمتان وتنذران بكوارث لا حدود لها.
في التقرير الذي نشرته منظمة الشفافية الدولية في فبراير – شُباط عام 2018 حول ظاهرة الفساد على المستوى العالمي، اتضح أن أكثر من ثُلثي بلدان الكرة الأرضية لا تزال تعاني من ظاهرة الفساد لاسيما في ما يخص أداء القطاع العام المتصل بالعملية التنموية.
وصحيح أن المنطقة العربية التي تراجعت فيها عملية التصدي لهذه الظاهرة واستفحل الفساد فيها في الوقت ذاته هي منطقة تشهد منذ سنوات عدم استقرار هنا وهناك.
كالعادة تذيلت دول في العالم العربي مؤشر مدركات الفساد الذي تطلقه سنويا منظمة الشفافية الدولية، وهذا بالطبع ليس أمرا غريبا يثير الناس بالصدمة والذهول، ولا تُعلن السلطات العامة في هذه الدول حالة الطوارئ والاستنفار العام للتصدي لهذه الآفة التي تنخر بنيان الدولة، وتتسبب في فشل التنمية المستدامة، إن كانت هناك بالأصل خطط لتعزيز التنمية المستدامة.
والصحيح يمكننا القول أن وضع المنطقة العربية بشكل جماعي حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية أفضل إلى حدٍّ ما من وضع مناطق أخرى في العالم. ومن هذه المناطق إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. ومع ذلك فإن تقارير هذه المنظمة الدولية المستقلة تخلص كلها منذ عام 1995 إلى أن الفساد لايزال مستشريا في البلدان العربية كلها برغم تفاوت جهود التصدي له من بلد إلى آخر.
استطراداً، لا مجال البتة لتسويق الشعارات التي تدعو الى الاصلاحات الهيكلية. المشكلة لم تعد اقتصادية أو مالية. انها تتعلق بالبنية الفلسفية للمنطقة العربية (لبنان ضمنها) التي “تأكل نفسها بنفسها” .
وبالنسبة لزياد عبد الصمد – وهو مدير تنفيذي في شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية – فإن الفساد هو عدم القدرة على المساءلة والمحاسبة، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ومن جهة أخرى تقلص حيز الحريات والديمقراطية.
وهذه كلها عناصر تراكمت وتفاقمت في البلدان العربية، وأدت -بحسب عبد الصمد – إلى ثورات وأطاحت بأنظمة، وحذر من أن تراكم هذه المسائل سيؤدي في الأخير إلى ثورات شعبية. فهل سنشهد انفراجاً في مكافحة هذه الظاهرة على الصعيد العربي (واللبناني) أم سنشهد الانفجار؟
لامكان للمنطقة العربية في الزمان، ولا مكان لها في المكان. الأزمنة تذهب هباء. الثروات تذهب هباء. الفساد على أرضنا، وفي فراشنا الى اليوم الذي لا تبقى هناك سوى الهياكل العظمية التي تمشي عارية القدمين في الصحراء.
لنقطع الطريق على شكسبير “لا شيء على ما يرام حتى الآن يبشر بالخير يا سيدتي المركيزة”!

فلاش
…….
تحتل الصومال المرتبة 180 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية هذا الشهر، وهي الدولة الأخيرة في المؤشر، والأكثر فسادا في قائمة الدول؛ أحسن منها بقليل سوريا بالمرتبة 178، وقبلها اليمن 176، والسودان الذي تجتاحه الاحتجاجات منذ أسابيع في المرتبة 170. أم ليبيا، التي لم تستقر منذ سنوات إثر سقوط القذافي ولا يزال الصراع على السلطة قائما، فحلّت في المرتبة 170، والعراق حل في المرتبة 168، وموريتانيا 144.
أفضل الدول العربية في مؤشر مدركات الفساد كانت الإمارات في المرتبة 23، تتبعها قطر 33، بعدها الأردن، 58، والسعودية في ذات المكانة 58، تليها تونس بفارق بالترتيب 73.
طبعاً، لا يحتاج التدقيق بالأرقام للخروج بقناعة واضحة تفيد أن الفساد وسم وعلامة معروفة لدول العالم العربي.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here