الرئيسية اقتصاد لبنان اللبنانيون يقتربون من حافة الجوع

اللبنانيون يقتربون من حافة الجوع

لم يعد ملف الأمن الغذائي في لبنان مجرّد تحدّ اقتصادي عابر، بل تحوّل إلى قضية وجودية تلامس استقرار المجتمع بأكمله. ففي ظلّ الأزمات المتراكمة، من الانهيار المالي إلى تداعيات الحرب وتضرّر القطاعات الإنتاجية، تتكشف هشاشة بنيوية عميقة تهدّد قدرة اللبنانيين على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وفي مقدّمها الغذاء.

يأتي التحذير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية، ليضع واقع الأمن الغذائي في إطاره الأكثر خطورة، مستندًا إلى أرقام ومعطيات رسمية تعكس حجم التدهور. إذ لم يعد الحديث عن ضغوط معيشية فحسب، بل عن اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي لتشمل شريحة كبيرة من السكان، في مؤشر غير مسبوق منذ عقود.

في هذا السياق، تبرز قراءات الخبراء الاقتصاديين، حيث يشير أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، إلى خلفيات هذا التدهور ويربطه بعوامل بنيوية مزمنة تفاقمت مع الأزمات الأخيرة. وبين توصيف الواقع والتحذير مما هو آتٍ، تتقاطع المؤشرات عند خلاصة واحدة: لبنان يقف على حافة مرحلة أكثر خطورة، تتطلّب مقاربة عاجلة وجذرية قبل أن يتحوّل الخطر الغذائي إلى أزمة مفتوحة.

“جرس إنذار”

في قراءةٍ لتداعيات البيان الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي ووزارة الزراعة اللبنانية، يعتبر عجاقة أن هذا البيان “يشكّل “جرس إنذار” جديًا للطبقة السياسية، كونه يعكس عمق الأزمة الهيكلية المتجذرة في الاقتصادين المالي والاجتماعي في لبنان.

ويؤكد أن “صدور موقف مشترك عن جهات دولية رسمية ووزارة الزراعة يمنح الأرقام الواردة فيه طابعًا تقنيًا موثوقًا، لا يمكن التقليل من دقته أو التشكيك في مصداقيته”.

خطر وجودي غذائي

يرى عجاقة أن “لبنان انتقل عمليًا من مرحلة الأزمة الاقتصادية إلى مرحلة الخطر الوجودي الغذائي، في ظل انهيار الركائز الأساسية للأمن الغذائي. فالإنتاج المحلي تراجع بشكل ملحوظ، والقدرة الشرائية تدهورت بفعل الانهيار النقدي، ما انعكس انخفاضًا في الاستيراد نتيجة ضعف الطلب. ويختصر المشهد بالقول إن المؤشرات كافة تدل على واقع “سيئ جدًا”.

ويشير إلى “صعوبة الجزم ما إذا كان البيان توصيفًا لواقع قائم أم تحذيرًا استباقيًا”، موضحًا أن “المعطيات الميدانية تُظهر انقطاعًا في سلاسل التوريد في عدد من المناطق، إلى جانب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالأراضي الزراعية في الجنوب والبقاع”.

في المقابل، لا يستبعد أن يكون “البيان تحذيرًا مبكرًا من تفاقم فجوة الغذاء، التي قد تتطور إلى حالات مجاعة محدودة أو مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في حال لم تُؤمَّن الإمدادات الأساسية”، مشدّدًا على أن “الحديث عن نحو 1.24 مليون شخص ليس تفصيلًا رقميًا عابرًا، بل مؤشر خطير يعكس واقعًا قائمًا واحتمالا متصاعدًا في آنٍ معًا”.

الأسباب

عن الأسباب التي أوصلت لبنان إلى هذه الهشاشة، يوضح عجاقة أن “دولرة الاقتصاد أدّت إلى تآكل القدرة الشرائية وانهيار قيمة العملة الوطنية، بحيث باتت “لقمة الخبز” مرتبطة بالدولار، فيما لا يزال جزء كبير من اللبنانيين يتقاضون رواتبهم بالليرة. كما أن بنية الاقتصاد اللبناني قائمة على الاستيراد، حيث أن 85 % من المواد الغذائية المستهلكة هي مستوردة، وهو ما يجعل البلاد عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الخارجية. يُضاف إلى ذلك ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار النفط، ما أدّى إلى زيادة عامة في الأسعار وتراجع إضافي في القدرة الشرائية. كذلك، لم يسلم القطاع الزراعي من التداعيات، إذ تضرر بشكل كبير في منطقتي الجنوب والبقاع، وهما من أبرز ركائزه الإنتاجية”.

حجم الخطر

في ما يتعلق بحجم الخطر، يؤكد عجاقة أن “هذا المستوى من التهديد لم يشهده لبنان منذ المجاعة الكبرى”، معتبرًا أن “وصول عدد المهددين بانعدام الأمن الغذائي إلى نحو 1.24 مليون شخص، أي ما بين 20 و25 % من السكان، يشكّل رقمًا مرتفعًا وخطيرًا للغاية.

يختم عجاقة بالتشديد على “ضرورة التعامل بجدية مع هذه التحذيرات، نظرًا لصدورها عن جهات دولية رسمية بالتعاون مع وزارة الزراعة اللبنانية، ما يضفي عليها طابعًا علميًا وموثوقًا يستوجب التحرك العاجل”.

في المحصلة، لم يعد التعامل مع أزمة الأمن الغذائي في لبنان يحتمل التأجيل أو المقاربات الجزئية، إذ إن المؤشرات الحالية تعكس اختلالا بنيويًا يتجاوز ظرفًا طارئًا إلى أزمة عميقة في بنية الاقتصاد. فاستمرار تآكل القدرة الشرائية، وتراجع الإنتاج المحلي، والاعتماد المفرط على الاستيراد، كلها عوامل تُبقي البلاد في دائرة هشاشة دائمة أمام أي صدمة داخلية أو خارجية.

اقتصاديًا، يفرض هذا الواقع إعادة توجيه الأولويات نحو دعم القطاعات الإنتاجية، وفي مقدّمها الزراعة، وتحفيز الإنتاج المحلي لتقليص الفجوة الغذائية، بالتوازي مع سياسات نقدية واجتماعية تحدّ من تدهور القدرة الشرائية. كما أن تأمين سلاسل الإمداد وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة لتفادي اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي.

أما الاستمرار في النهج الحالي، فسيعني حكمًا انتقال الأزمة من مرحلة الخطر إلى مرحلة الانفجار الاجتماعي، حيث يصبح الغذاء نفسه عامل عدم استقرار. وعليه، فإن التحذيرات الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وبرنامج الأغذية العالمي ليست مجرد توصيف، بل فرصة أخيرة لاحتواء مسارٍ يتجه نحو مزيد من التدهور، ما لم تُتخذ إجراءات سريعة وفعّالة تعيد التوازن إلى الاقتصاد وتحمي الحدّ الأدنى من الأمن الغذائي.

مصدرنداء الوطن - رماح هاشم
المادة السابقةالكلّ لديه أهدافه وليست لأيّ منهم رؤية نحو التعافي: الحاكم يقاتل من أجل الصلاحيات… لا الإصلاح
المقالة القادمةالتوتر الإقليمي يشعل أسعار الوقود في سوريا