المركزي “يُشلّح” المودعين ليُرَسْمل المصارف

0

ينفرد المصرف المركزي “بكرة” السياسة النقدية والمالية على “ملعب” الازمة اللبنانية. غياب الدفاعات الحكومية والتشريعية منذ فجر 17 تشرين الاول سمح له بالتفنن باستعمال مهاراته، والتسجيل عبر تعاميمه أهدافاً مثيرة للجدل. آخرها كان القرار الاساسي رقم 13262 والمعمم على المصارف بموجب التعميم 154 تحت عنوان “إجراءات استثنائية لاعادة تفعيل عمل المصارف العاملة في لبنان”.

التعميم الاشكالي يفرض على المصارف “حث” عملائها، ممن حولوا أكثر من 500 ألف دولار إلى الخارج ابتداءً من 1 حزيران 2017، على وضع 15 في المئة من هذا المبلغ في حساب خاص، إذا كانوا مودعين عاديين، و30 في المئة إذا كانوا من مسؤولي المصارف او سياسيين”. وخلص التعميم إلى التهديد بفرض التدابير والعقوبات المنصوص عليها في القانون رقم 44/215 في حال التقاعس في تطبيق التعميم.

نسف مبادئ دستورية

“إن الموجب الملقى على عاتق المصرف هو موجب (وسيلة) وليس (نتيجة)، وذلك لاستعمال كلمة “حث”. فكيف يثبت إذاً المصرف انه نفذ هذا الموجب في حال فشل في اقناع العميل بتحويل اموال الى الحساب الخاص. وكيف يمكن معاقبة العميل اذا لم يحول الى الحساب الخاص في حين انه ليس ملزماً بأي موجب في هذا القرار؟”، يسأل البروفسور في كليات الحقوق د.نصري دياب، ليجيب ان “هذا التعميم ينسف مبادئ دستورية أساسية خاصة منها: الملكية الخاصة (المادة 15) وأهم عنصر هو حق التصرف (في هذه الحالة التحويل إلى الخارج). والنظام الاقتصادي الحر. وعدم التمييز والمساواة أمام الواجبات (مادة 7) حيث ان القرار يميز على اساس صفة المودع وعلى اساس المبالغ المحولة إلى الخارج، وعلى اساس تاريخ التحويل. وبحسب ملاحظات دياب فان “تاريخ الاول من حزيران 2017 لا يمثل شيئاً. وثانياً لا يمكن اعطاء مفعول رجعي لاي قانون أو قرار اداري مثلما فعل هذا التعميم.

مخالفات بالجملة

المخالفات الكثيرة في هذا التعميم تعود إلى الفراغ وفشل السلطتين التنفيذية والتشريعية بوضع الضوابط والاصول التي تنسجم مع المسار الانحداري الذي بدأ يأخذه الاقتصاد منذ “ثورة تشرين”، واقفال المصارف لمدة اسبوعين. وبدلاً من التدخل بجدية لمعالجة الخلل القائم على الصعيد المصرفي، سحبت كل الايادي وعمّقت الحكومة المخاوف من خلال تبنيها ورقة “لازارد”، التي تقول بوضوح ان مصرف لبنان والمصارف مفلسة. وانطلاقاً من ان “الطبيعة تكره الفراغ” بحسب دياب، وجد المركزي نفسه مضطراً ان يملأ الشغور بركلة تسلل عبر التعميم 154 المذكور. لكن هل يحتسب الهدف؟

“في المبدأ لا يمكن اعطاء مفعول رجعي لأي قانون، إلا في حالات استثنائية ونادرة جداً”، يقول دياب. “هذا فضلاً عن انه في اطار القانون المدني فان كل عملية تفرض قسراً على العميل تعتبر باطلة، او حتى كأنها غير موجودة. وذلك عملاً باحكام مادتين مختلفتين من قانون “الموجبات والعقود”. وأي فعل يفرض على العميل بالخوف يؤدي الى بطلان الفعل، أي العقد. فالفقرة 212 من قانون الموجبات والعقود تعتبر ان استعمال الوسائل القانونية بشكل غير مشروع يشكل خوفاً بهذا المعنى”. والاخطر بحسب دياب هو ان “مصرف لبنان خلق في الفقرة 2 من المادة الخامسة جرماً جزائياً جديداً لم يكن موجوداً في الفقرة السابقة منذ (1/7/2017 وحتى 27/8/2020) في حين انه لا يحق للمركزي خلق جرم. وهذا أمر محصور بالمشترع وحده”.

التاريخ الذي يعود اليه التعميم لم يكن فيه لدى العملاء الذين حولوا أموالاً أي نية جرمية. وبالتالي “لا يوجد جرم طبقاً (للمادة 1) من قانون العقوبات”، بحسب دياب. والاخطر هو انه “بدلاً من أن يعود إلى الجهات المختصة اثبات التهرب الضريبي أو الفساد فان مصرف لبنان يعتبر ان العميل ارتكب احد الجرمين بمجرد عدم تحويل اموال انفاذاً لهذا التعميم. وهو ما يعني من وجهة نظر دياب ان “المركزي قد عمد إلى قلب عبء الاثبات”.

دور المصارف

تشير جهات قضائية سابقة إلى انه في حال فشل المصارف في حث عملائها على ارجاع نسبة 15 أو 30 في المئة عليها “ابلاغ المركزي الذي بدوره يقوم بواسطة هيئة التحقيق الخاصة بابلاغ النيابة العامة التمييزية، التي تبادر بالتحقيق معهم بجرم تبييض الاموال”. في حين ان “المركزي لا يملك سلطة على المودعين. فالمودع خاضع للقوانين والعقود التي ابرمها مع المصارف وبالتالي لا تحق معاقبته بجرم لا ينطبق عليه”، يقول دياب.

رئيس مجلس ادارة FFA PRIVATE BANK جان رياشي استغرب في تغريدة له ‏”كيف ان قاضياً سابقاً يضرب بعرض الحائط كل الاعراف القانونية والدستورية”، متابعاً: “نتفهم ان النظام المصرفي بحاجة الى سيولة ونعتبر ان على المصرفيين ان يساهموا في اعادة رسملة مصارفهم وان على السياسيين شبهات كثيرة، ولكن احترام التسلسل الهرمي للمعايير والاجراءات القانونية وحدها تحقق العدالة”.

حصة المستوردين

التعميم لم يقف عند حدود المودعين الذين حولوا أكثر من 500 الف دولار، انما يطالب أيضاً المستوردين سواء كانوا تجاراً أم صناعيين أم مقاولين أو مزارعين الذين استوردوا بضائع خلال الاعوام 2017 و2018 و2019 ان يحولوا 15 في المئة من قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة في أي واحدة من هذه السنوات الثلاث. وهو ما يطرح بحسب دياب التساؤل عن قدرة هؤلاء المستوردين المادية وان كانت لديهم أموال في الخارج بهذه القيمة أو حتى حسابات مصرفية والضغوط التي ممكن ان يتعرضوا لها في ظل هذه الظروف والتي قد تودي بأعمالهم.

الترحيب من بعض المصرفيين بالتعميم 154 لا يعبر عن صوابيته بل عن تقاطعه مع مصلحتهم باعادة رسملة مصارفهم. أما الحديث عن ضمانات باعادة الاموال بعد 5 سنوات فلم تعد تحوز ثقة أحد من العملاء والمودعين خصوصاً بعد كل ما يجري منذ 17 تشرين الاول ولغاية اليوم. وبحسب دياب فان “هذا التعميم ينسف القواعد الدستورية والقانونية المعنية ويسخّر القانون والقضاء الجزائيين بالتهديد والتهويل (بمعنى قانون العقوبات)، للاستحصال من العملاء والمصارف على ما هو غير مشروع”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here