المودعون على موعد مع زمن الخسائر الفادحة

0

كلما شعر اللبنانيون باقتراب موعد الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، كلما زاد لديهم منسوب القلق حيال مسألة تسديد الودائع، وما قد يلحق بها من اقتطاع (haircut) في عملية توزيع الخسائر التي جرى تقديرها بحوالي 69 مليار دولار. ورغم ان صندوق النقد لم يعط موافقته بعد على الرقم، الا ان الرقم في حد ذاته يؤشر الى هيركات قاس قد تتعرض له الودائع انطلاقا من الحقائق التالية:

اولا- حتى الان، لا يبدو ان صيغة تأسيس صندوق سيادي يضم مؤسسات عامة وأصول وموجودات تملكها الدولة اللبنانية، قد حظي بالموافقة الداخلية عليه. وبالتالي، ورغم ان اللجنة الوزارية برئاسة نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي حرصت على توزيع المسؤوليات وفق تراتبية الدولة اولا، وبعدها مصرف لبنان ومن ثم المصارف وأخيرا المودعون، لن يجدي هذا التوزيع نفعاً في إقناع الرافضين تغيير موقفهم حيال تحميل الدولة لقسمٍ من الخسائر. وهذا يعني ان نظرية اعادة تكوين الودائع قد سقطت، وينبغي التعاطي في الملف على اساس حصر التوزيع بين المكونات الثلاثة المتبقية (المركزي، المصارف، المودع).

ثانيا- ان حجم السيولة المتبقية من الودائع التي يبلغ مجموعها بالدولار حوالي 110 مليارات، لا يتوفّر منها حاليا سوى 12 مليارا كاحتياطي الزامي، وحوالي المليارين لدى المصارف في حسابات خارجية، بالاضافة الى محفظة قروض بقيمة تقارب الـ30 مليار دولار. واذا اعتبرنا ان الـ14 مليارا متوفرة غب الطلب، فان محفظة الديون تحتاج الى دراسة مفصّلة لمعرفة مدى قابليتها للتسييل، ونسبة القروض المشكوك في تحصيلها، والمدة الزمنية المقدّرة للتسييل وفق اتفاقات وشروط هذه القروض.

ثالثا- التعاميم التي يتمّ تنفيذها حاليا، ومنها التعميم 158 تستنزف عمليا الدولارات، نصفها من المركزي (من الاحتياطي) ونصفها الآخر من المصارف، وبالتالي حتى الارقام القائمة حاليا لا يمكن التعويل عليها، لأنها ستنخفض بنسب محدّدة مع مرور الوقت.

رابعا- اعادة الودائع الصغيرة (ما دون الخمسين الف دولار) على مدى السنوات الخمس المقبلة، مع هيركات نسبته حاليا حوالي 27%، يقلل من حجم الاموال التي ستبقى لاعادة شطور الودائع المتوسطة والكبيرة في وقت لاحق.

ضمن هذا الواقع، وفي عملية حسابية مُبسّطة لا يبدو ان نسبة الاقتطاع يمكن ان تكون أقل من 70%. اذ ان حجم السيولة المتوفرة، قد لا تزيد في مجموعها عن 35 مليار دولار ينبغي ان تغطّي ودائع قيمتها اكثر من 100 مليار. وبذلك، سيتم اللجوء الى وسائل متنوعة لكي يبدو الهيركات أقل من ذلك، عبر الوسائل التالية، والتي تتم مناقشتها:

اولا- تقسيم الودائع الى شطور، مع اعطاء اولوية الهيركات الاقل للودائع المتوسطة بعد الانتهاء من الودائع الصغيرة. وبذلك، ستصبح نسبة الاقتطاع اكبر على الودائع المصنّفة كبيرة. ولم يتمّ الاتفاق حتى الان على الرقم الذي سيُعتمد في تصنيف الودائع الكبيرة. (على الأرجح فوق المليون دولار).

ثانيا- اعتماد اسلوب خصم نسبة كبيرة من الارباح المتراكمة على الودائع التي استفاد اصحابها من تكدّس الفوائد المصرفية لسنوات طويلة. وهذا يعني ان الودائع لن تُصنّف وفق الاحجام فحسب، بل وفق «العمر». بحيث ان الوديعة الموجودة في المصرف منذ 20 سنة، لن توضع في الخانة نفسها لوديعة بالحجم المالي نفسه، موجودة في المصرف منذ 4 أو 5 سنوات.

ثالثا- سيتم اللجوء الى اسلوب الـbail in لمنح مودعين كبار حصة (أسهم) في المصرف الذي يودعون فيه اموالهم.
رابعا- سيتم التعاطي مع مودعين وافق المصرف على تحويل اموالهم بالليرة الى الدولار في الفترة ما بعد 17 تشرين الاول 2019، وفق مفهوم انهم حالة خاصة لا تنطبق عليهم الشروط نفسها التي تسري على الودائع الدولارية قبل هذا التاريخ.

وهكذا ستتعدّد أساليب خفض المطلوبات للمودعين، وسيطلق على العمليات تسميات تختلف عن الهيركات، لكن النتيجة واحدة، وهي ان المودعين، سيما الكبار منهم، سيفقدون قسما كبيرا من أموالهم، في حين ان المودعين المتوسطين سيخسرون بدورهم نسبة مرتفعة، ولو انها تقل عن النسبة التي ستلحق بالودائع الكبيرة. وهذا الامر بات من الوقائع التي يصعب دحضها، اذ يكفي ان نراقب ما جرى حتى الان.

فاذا كان المودع الصغير، وهو محمي في كل الأنظمة المالية العالمية وأمواله مضمونة بالكامل، والذي لم يستطع انتظار الحلول وفضّل سحب امواله وفق التعميم 151 قد خسر في فترة من الفترات حوالي 80% من وديعته، والمودع الصغير الذي صمد وانتظر حتى صدر التعميم 158 لكنه مع ذلك يخسر حاليا حوالي 27% من وديعته، فكيف يمكن ان نتوقّع ان يحصل المودع المتوسط والكبير على وديعته بخسائر قليلة؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here