بانتظار الكهرباء نسينا المياه: السدود الفاشلة والينابيع الملوّثة

0

انطفأ بريق السدود واحداً تلو الآخر، وبقيت بلعا والمسيلحة وبسري شاهدة على المجازر المالية والبيئية من دون تأمين المياه. ومالياً، “قبل استلام التيار البرتقالي الوزارة في العام 2010، لم تكن هناك سياسات كهربائية ومائية ولا مشاريع جديدة، لذلك كان الهدر في الوزارة محدوداً ويطال جزءاً من الموازنة السنوية، فلا مشاريع “خنفشارية” كبواخر الطاقة وإنشاء السدود”، وفق ما يقوله لـ”المدن”، الأستاذ الجامعي والباحث الهيدروجيولوجي، سمير زعاطيطي.

وعلى مستوى الهدر، وصل عجز مؤسسة كهرباء لبنان إلى 13 مليار دولار حتى العام 2010. وبلغ بعد ذلك العام وحتى العام 2020، نحو 40 مليار دولار. وفي ظل السقوط، بقيت بيروت بلا مياه، رغم وجود أرضية علمية لتحسين إمداد المدينة. أرضية صاغتها منذ العام 2014، المؤسسة الفيدرالية لعلوم الجيولوجيا والمصادر الطبيعية BGR، الألمانية، التي كلّفها مجلس الإنماء والإعمار ومصلحة مياه بيروت وجبل لبنان ووزارة الطاقة والمياه، إعداد تقارير لجهة تمديدات مياه نبع جعيتا.

أوصت المؤسسة بـ”تحسين حصر نبع جعيتا. إنشاء خطّي توصيل للمياه (قساطل وأنفاق) بين النبع ومعمل ضبية. ففي حال تعطّل أحد الخطين، يُستَعمل الآخر. وهذه العملية من شأنها وقف الهدر وزيادة التصريف بحوالى 7 متر مكعب/ثانية بدل 3.1 متر مكعب. إنشاء سد بموقع داريا بسعة 9 مليون متر مكعب لتعويض النقص في فترة الشحائح، أواخر الصيف وبداية الخريف”.

ويلفت زعاطيطي النظر إلى أن السد المطروح يختلف عن السدود التي أنشأتها الوزارة، فهو “سد صغير سيقوم على أرض مانعة للتسرب العامودي، فليس في الأرض صخر مشقق، بل طبقات مانعة، والتربة صالحة لتحمّل وزن الـ9 مليون متر مكعب”.

أيضاً، رأت المؤسسة أن القناة الحالية بين النبع ومعمل ضبية فيها “خسارة بحوالى 30 بالمئة من كمية المياه المنقولة”. كذلك اقترحت “منع التعديات غير القانونية على الشبكة لجهة استعمالها لأغراض الري. زيادة حجم معالجة وتكرير المياه في ضبية وتجديد طرقها ووسائلها. إنشاء مختبر خاص يعنى بنوعية الماء وزيادة فعالية المختبر. تخفيض هدر المياه في شبكات مدينة بيروت”. أُهمِلَت التوصيات، وكانت السدود أقرب إلى الوزارة “ففيها سمسرة أكثر من إصلاح شبكات التوصيل القديمة التي يتراوح عمرها بين 50 و60 سنة”، يقول زعاطيطي.

لحلٍ أكثر استدامة وعلمية، يقترح زعاطيطي فصل الطاقة عن المياه ضمن وزارتين مختلفتين. ويستند في ذلك إلى تطوّر المفاهيم واكتشاف مصادر طاقة إضافية، ما يستدعي الاهتمام بشكل أكثر تخصصاً في مجاليّ الطاقة والمياه. أما الربط بين المجالين عبر السدود لانتاج الكهرباء من المياه (الطاقة الكهرومائية)، فيتّجه نحو “الإندثار” بسبب تعدد مصادر الطاقة التي “تطورت من الفحم الحجري في القرن الثامن عشر إلى اكتشافات الغاز والنفط، وصولاً إلى المفاعلات النووية وطاقتها الحرارية وطاقة الشمس والرياح”.

كما أن الفصل “يُسهِّل التعامل مع الثروة الوطنية سواء المائية أو النفط والغاز المكتشف حديثاً، فليس كل متخصص في مجال الكهرباء يعرف تفاصيل مجال المياه، والعكس كذلك. أما الإبقاء على الربط، فهو جائزة تُعطى لمن يملك السلطة ليبدد الثروات. وهذا هو الانتحار بعينه”.

المياه بحسب زعاطيطي موزّعة بين مياه سطحية ومياه جوفية، وبدورهما يشكّلان مجالين أكثر عمقاً من الناحية العلمية، ولكلّ منهما خبراء متخصصين. والمياه اللبنانية “في ثلثيها جوفية تذهب هدراً إلى إسرائيل والبحر، وثلثها سطحي لوّثوه بالمطامر والصرف الصحي”.

والبحث في المياه الجوفية يعيدنا إلى بدعة السدود. فالـ14 نهراً يفرّغون مياه الجبال في البحر. ولذلك “بدل السدود، يجب حفر الآبار”. ويؤكد زعاطيطي أن “فرنسا اعتمدت خيار الآبار. وباريس تشرب من المياه الجوفية لا من السدود، لأنها متوفرة وأرخص. فالخيار هناك هو دائماً اقتصادي فيما نحن في لبنان اعتمدنا العكس”.

أُحيل ملف المياه إلى الكواليس بانتظار حسم ملف الكهرباء الذي سينتقل إلى المرتبة الثانية إذا حقَّقت الوزارة زيادة التغذية ببضع ساعات، فتتفرّغ لوضع ملف المياه على المسرح والبحث عن صفقات جديدة، تنطلق من تلميع صورة السدود. وفي معرض التفاضل بين الكهرباء والمياه، تبقى العاصمة والمناطق غارقة بشح المياه وتلوّثها.. وبالعتمة أيضاً.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here