بوتين يخسر حرب الغاز على أوروبا

0

حصل الاسبوع الماضي ما لم يكن في الحسبان مطلقاً: بيع الغاز بأسعار سلبية في اوروبا!!

إنها ظاهرة نادرة ولا تدوم إلا قليلاً. فالاثنين الماضي ولمدة ساعة، تمّ بيع الميغاوات ساعة للتسليم الفوري بناقص 15.78 يورو في ردهة التداول «تي تي اف» في هولندا، وهي المرجع الاوروبي لمقارنات الاسعار. كان على البائعين الدفع للشارين لتفريغ الحمولات.

الخزانات مليئة

هذه الأسعار السلبية من التداعيات الغريبة لتوقف تسليم الغاز الروسي. فخوفاً على أمن الطاقة في فصل الشتاء، استغل الأوروبيون الصيف لملء جميع سعات تخزين الغاز لديهم تقريباً. وكانت العملية ناجحة، بتكلفة انفجار في الأسعار: في بداية تشرين الاول/ أكتوبر، كانت سعات التخزين الأوروبية ممتلئة بنسبة 89%، وهو رقم ارتفع إلى 99% في فرنسا.

عامل الطقس الدافئ

كان من المفترض الاستخدام من الخزانات بقدوم الخريف وزيادة استهلاك الطاقة للتدفئة؛ لكن موجة الحر حالت دون ذلك. في بلدان مثل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، نشهد درجات حرارة واستهلاك [للغاز] يقترب من مستويات آب/ أغسطس وأوائل أيلول/ سبتمبر. حتى في بلدان الشمال الأوروبي والمملكة المتحدة وألمانيا، الاستهلاك أقل بكثير من المتوسط في هذا الوقت من العام.

واستمرت المخزونات بالامتلاء بدلاً من إفراغها. نتيجة لذلك، لا يمكن تخزين مزيد من الغاز الذي يصل إلى أوروبا اليوم. وإذا اختار عدد متزايد من ناقلات الغاز الطبيعي المسال الاحتفاظ بشحنتها بانتظار وصول الطقس البارد، فإن هذا ليس هو الحال بالنسبة للسفن الأخرى أو خطوط أنابيب الغاز، والتي يصعب إغلاقها تماماً، وبالتالي عليها البيع بأي سعر فوري حتى لو كان سلبياً.

غاز أكثر من الحاجة

وذكرت شبكة «سي إن إن» أن أوروبا لديها غاز طبيعي أكثر مما تعرف ماذا تفعل به. فتحولت تلك الأسعار الفورية لفترة وجيزة إلى سلبية في وقت مبكر من الأسبوع الماضي.

لعدة أشهر، حذر المسؤولون من أزمة طاقة هذا الشتاء، حيث قطعت روسيا – التي كانت في يوم من الأيام أكبر مورد للغاز الطبيعي في المنطقة – الإمدادات ردًا على العقوبات التي فرضتها أوروبا بسبب غزوها لأوكرانيا.

اليوم، أصبحت مرافق تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي ممتلئة تقريباً، وتقف الناقلات التي تحمل الغاز الطبيعي المسال في طوابير في الموانئ، غير قادرة على تفريغ حمولتها، والأسعار آخذة في الانخفاض. وتلك المؤشرات تطرح اسئلة عن امكان خسارة بوتين لحرب الغاز التي شنها على اوروبا.

الأسعار تنخفض

وانخفض سعر العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأوروبي القياسي بنسبة 20% منذ الخميس الماضي وأكثر من 70% منذ أن وصل إلى مستوى قياسي في أواخر آب/ أغسطس الماضي. يوم الاثنين، انخفضت أسعار الغاز الفورية الهولندية للتسليم في غضون ساعة، والتي تعكس ظروف السوق الأوروبية في الوقت الفعلي، إلى أقل من 0 يورو، وفقاً لبيانات من «انترناشيونال اكشنج».

إنه تحول مفاجئ للغاية للأحداث في أوروبا، حيث كانت عانت ( وتعاني) الأسر والشركات من الزيادات الهائلة في أسعار أحد أهم مصادر الطاقة خلال العام الماضي والحالي.

البواخر تنتظر

أدى دفع أوروبا للحصول على أكبر قدر ممكن من الوقود قبل الشتاء إلى تراكم ناقلات الغاز الطبيعي المسال في الموانئ الأوروبية، في ظل نقص محطات مؤهلة لاستيراد الغاز الطبيعي المسال.

وزاد الاتحاد وارداته من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر مع انخفاض واردات الغاز الطبيعي من روسيا.

عشرات البواخر المحملة بالغاز تنتظر حالياً دورها لتفريغ حمولتها من الغاز السائل على شواطئ عدد من الدول الأوروبية. ودول في الاتحاد تعاني لاستيعاب هذا العرض الوفير، علماً بأن مخزوناتها مليئة، والاستهلاك اقل مما كان متوقعاً.

فبينما كانت الدول الاوروبية تتحضر في الاسابيع والأشهر الماضية لاضطرابات في سوق الطاقة هذا الشتاء، فان زحمة بواخر تشكلت في المياه الاوروبية منذ اكثر من اسبوع. عشرات البواخر محملة بالغاز المسال تتهادى قبالة الشواطئ كما اكدت «وول ستريت جورنال»، بانتظار لتفريغ الحمولة على الارض اليابسة وتحديداً في محطات التغويز الاوروبية.

تخمة ناقلات غاز

نقلت «بي بي سي» من جهتها انه من اصل 268 باخرة في المياه الدولية كما في منتصف تشرين الاول/ اكتوبر، كان هناك 51 باخرة تتواجد بالقرب من اوروبا. فالقارة العجوز يفترض انها استقبلت 82 باخرة غاز الشهر الماضي وفقا لوكالة «بلومبيرغ «. اي بزيادة نسبتها 19% مقارنة بشهر ايلول/ سبتمبر. وهذه السفن المنتظرة، من المحتمل أن تستغرق شهراً آخر للعثور على موطن للشحنات. فهي تنقل معاً ما قيمته 2 مليار دولار من الغاز الطبيعي المسال، نقلاً عن مزود بيانات سوق الطاقة Argus Media.

وفي الوقت الذي يتراكم الغاز في البواخر قبالة الشواطئ، كان نحو ملياري متر مكعب من الغاز المسال تنتظر التفريغ في 25 تشرين الاول/ اكتوبر. وهو رقم قياسي في 5 سنوات وفقا لشركة «كبلر» المتخصصة في تحليل معطيات تجارة المواد الاولية حول العالم. وتقول الشركة عن امكان حدوث اختناقات في المحطات والموانئ «انها نادرة واذا حصلت فسببها اوضاع الطقس وفترات الصيانة».

بالتعاون مع الولايات المتحدة

هذه الظاهرة في عرض البحور الاوروبية يمكن تفسيرها جزئياً بالصيف الذي انصرم. ففي خضم الحرب الروسية على اوكرانيا، بحثت الدول الاوروبية جاهدة عن مصادر بديلة عن الغاز الروسي الذي تراجع تدفقه الى اوروبا. ذلك البحث المضني كان تحضيراً لقدوم الشتاء.

وكان استقدام الغاز بالبواخر من بين افضل مصادر التزود، وذلك بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة الاميركية. ففي حزيران / يونيو الماضي، صدرت الولايات المتحدة 39 مليار متر مكعب الى اوروبا، اي انها تضاعفت 3 مرات، كما اكد الاتحاد الاوروبي في تموز / يوليو الماضي.

تجاوز الهدف الأوليوكانت المؤسسات المعنية في الاتحاد الاوروبي طلبت من الدول الاعضاء ومنذ ايار/ مايو الماضي الوصول الى اول تشرين الثاني/ نوفمبر بمخزون من الغاز لا يقل عن 80% من الطاقة الاستيعابية. واتضح لاحقاً ان سباق التخزين خلال الصيف تجاوز الهدف الاولي. ففي 19 تشرين الاول/ اكتوبر كانت المخزونات وصلت اكثر من 90%، وفي فرنسا 99% و96% في المانيا و94% في ايطاليا. وهذا المستوى مرتفع للغاية، إذ إن الحد الأقصى لمستوى التخزين بلغ في المتوسط 87% من السعة على مدى السنوات الخمس الماضية.

هستيريا تخزين

هستيريا التخزين هذه وفقاً لوصف تقرير «بي بي سي» نقلاً عن خبير متخصص من شركة «وود ماكينزي»، تفسر ما يحصل حالياً على صعيد زحمة البواخر التي تنتظر التفريغ.

الى ذلك، تضاف عوامل اخرى مثل خفض استهلاك مصانع اوروبية للغاز، لا سيما في مصانع الفولاذ والاسمدة… حيث انخفض الانتاج (وبالتالي استهلاك الغاز) متأثراً بارتفاع اسعار الطاقة.

وهناك أيضاً التقشف الذي اعتمدته عدة دول اوروبية، ودرجات الحرارة الخريفية المعتدلة لا سيما الشهر الماضي… وهي عوامل اضافية ساهمت في خفض استهلاك الغاز. ففي فرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، تراجع الاستهلاك في أشهر قليلة بنسبة 14%. تلك التخفيضات ساهمت في ابطاء استخدام المخزونات في مراحل معينة.

30 محطة تغويز

علاوة على ذلك، يذكر ان في دول الاتحاد نحو 30 محطة متخصصة بتحويل المسال الى غاز (تغويز)، لكن العدد غير كاف، ما يفسر انتظار البواخر في عروض البحار ليأتي دورها في التفريغ ثم تغويز حمولتها.

ان تضافر عوامل المخزونات شبه المكتملة وترشيد الاستهلاك ادى الى انخفاض الاسعار. في بداية الاسبوع الماضي كان سعر الميغاوات/ساعة نحو 100 دولار وهو الادنى منذ حزيران يونيو الماضي، علماً بان الاسعار تبقى اعلى من تلك التي كانت بداية السنة وبنسبة 100%.

لا يمنع ذلك من التذكير بان اسعار الطاقة (البترول والغاز والكهرباء) تبقى متقلبة في سياق الاحداث الحالية السائدة، ويمكن ان تعود للارتفاع اكثر لا سيما اذا كان الشتاء قاسياً جداً.

وتبقى الحاجة ماسة الى تلك البواخر الناقلة للغاز وتنتظر الآن في البحار، خصوصاً عند اي انخفاض ملموس في المخزونات في ظل ظروف مناخية صعبة. بالنسبة لألمانيا على سبيل المثال، فالمخزونات لا تكفي الا لشهرين من اشهر الشتاء القارص، ما يعني انه على اوروبا جذب المزيد من ناقلات البواخر اليها كما اكدت وول ستريت جورنال.

انتظار الشتاء

هذه الاوضاع هي مربحة للمتداولين تجار الطاقة: لماذا عليهم تفريغ الغاز المسال بكثافة الآن اذا كانت الاسعار ستعود الى الارتفاع؟ يفضلون انتظار قدوم الشتاء البارد لبيع غازهم في مرحلة الطلب الشديد الدافع للاسعار نحو الاعلى. فبدلاً من التفريغ هذ الشهر، يمكن التأجيل الى كانون الاول/ ديسمبر. وبالتالي يمكن ربح عشرات ملايين الدولارت من حمولة الباخرة الواحدة.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here