لم تُشعل الصواريخ التي أطلقها «حزب اللّه» جبهة الجنوب فحسب، بل امتدّ تأثيرها إلى البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، ومنها إلى مختلف المناطق اللبنانية. فمع اتساع دائرة القلق الأمني، تحرّكت موجة نزوح سريعة باتجاه مناطق اعتُبرت أكثر أمانًا، لتشتعل معها سوق الإيجارات كما اشتعلت الجبهات.
التحرّك السكاني المفاجئ من الجنوب والبقاع والضاحية خلق ضغطًا فوريًا على الشقق السكنية، لا سيّما المفروشة منها، في بيروت الكبرى وجبل لبنان. خلال ساعات، ارتفعت نسب الإشغال وتبدّلت الأسعار، في سوق كانت أصلًا تعاني ارتفاعًا مزمنًا في بدلات الإيجار حتى قبل هذه التطوّّرات.
المشهد يكشف مرة جديدة الترابط العضوي بين السياسة والاقتصاد في لبنان. فقرار التصعيد لا يبقى في إطاره العسكري، بل ينعكس مباشرة على معيشة الناس: نزوح، إعادة تموضع سكاني، وارتفاع في كلفة السكن. وهكذا، يجد المواطن نفسه مجدّدًا في قلب المعادلة، يتحمّل نتائج خيارات لم يكن شريكًا في اتخاذها.
في بلدٍ يعيش أصلًا على وقع أزمة مالية خانقة، جاءت التطوّرات الأمنية الأخيرة لتضيف طبقة جديدة من الضغط الاقتصادي. السوق التي كانت تعاني اختلالًا في العرض والطلب قبل الأحداث، تلقت صدمة مفاجئة دفعت الأسعار إلى مستويات أعلى، وأعادت رسم خريطة الطلب السكني بين ليلة وضحاها.
المفارقة أن المواطن اللبناني، الذي لم يُستشر في قرار التصعيد، وجد نفسه مجددًا في موقع مَن يدفع الثمن: نزوحًا قسريًا، وارتفاعًا في الإيجارات، وكلفة معيشية تتضاعف في لحظة توتر. وهكذا، يتحوّل الحدث العسكري إلى أزمة سكنية، ويتحوّل السكن من حق أساسي إلى عبء إضافي في اقتصادٍ يتداعى.
سوق مرتفعة أصلًا
قبل الضربات الأخيرة وما تبعها من حركة نزوح كثيفة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، لم تكن سوق الإيجارات في لبنان تعيش حالة استقرار سعريّ. بل على العكس، كانت الأسعار قد بلغت مستويات مرتفعة نسبيًا خلال الأشهر الماضية، خصوصًا في بيروت الكبرى وجبل لبنان، نتيجة عوامل بنيوية تراكمت منذ الانهيار المالي في عام 2019.
فالتحوّل شبه الكامل إلى التسعير بالدولار النقدي، وتراجع الثقة بالعقود الطويلة الأمد، واتجاه عدد من المالكين إلى الإيجارات القصيرة الأمد ذات العائد الأعلى، كلّها عناصر ساهمت في تقليص العرض الفعلي للشقق المعروضة للإيجار السنوي. في المقابل، بقي الطلب قائمًا ضمن فئات محدّدة وهي موظفو المنظمات الدولية، مغتربون، عائلات تبحث عن استقرار في مناطق ذات خدمات مكتملة، إضافة إلى شريحة قادرة على الدفع بالدولار النقدي.
في هذا السياق، أوضح أمين سر «جمعية مطوّري العقار في لبنان» مسعد فارس، في وقت سابق لـ «نداء الوطن»، أن «من الضروري مقاربة مسألة بدلات الإيجار من منظور اقتصادي علمي. صحيح أن بعض الأسعار تبدو مرتفعة قياسًا إلى القدرة الشرائية الحالية، إلّا أن تقييمها لا يمكن أن ينفصل عن معادلة العرض والطلب».
ولفت إلى أنه «فعليًا، المعروض من الشقق الجيّدة محدود، في مقابل طلب لا يزال مرتفعًا نسبيًا في بعض المناطق، ما يُبقي الأسعار عند مستويات متقدّمة. وبالتالي، قد تبدو الأرقام مرتفعة على شريحة واسعة من المواطنين نتيجة تراجع الدخل، لكن وفق منطق السوق البحت، لا تُعدّ هذه الأسعار غير مبرّرة بالكامل».
وأعطى مثالًا: «في الأشرفية، يتراوح بدل إيجار الشقة المتوسطة الجيدة بين 1,500 و 1,800 دولار شهريًا. أما في الأبنية الجديدة والفخمة، فقد تتجاوز البدلات 2,500 إلى 3,000 دولار شهريًا، تبعًا للمواصفات والموقع».
وأشار إلى أن «هذا الواقع يعكس فجوة واضحة بين القدرة الشرائية الفعلية ومستوى الأسعار السائد، أكثر مما يعكس خللًا مباشرًا في آلية التسعير نفسها، في ظلّ محدودية العرض واستمرار الطلب ضمن فئات معيّنة».
وشرح: «عند الحديث عن أسعار الإيجارات، من المهم النظر إلى المناطق المختلفة وتأثيرها على القيمة والعائد المحتمل. بينما تُعتبر أسعار الشقق في أحياء مثل الأشرفية أو الروشة مرتفعة نسبيًا، يمكن ملاحظة فرق واضح عند الانتقال إلى مناطق أخرى مثل المتن، حيث تتراوح الإيجارات بين 700 و 800 دولار للشقق العادية، وقد تصل إلى 1,000 دولار في بعض الحالات الاستثنائية. هذا الواقع يُظهر أن تقييم قيمة الشقة لا يقتصر على سعر الإيجار فحسب، بل يجب أن يُؤخذ في الاعتبار العائد المتوقع (percentage return) مقارنةً بالقيمة الإجمالية للشقة، خاصة عند التفكير في الاستثمار العقاري أو تقييم جدوى الشراء».
من هنا، يمكن القول إن الضربات الأخيرة لم تُنشئ سوقًا مرتفعة الأسعار، بل دخلت إلى سوق كانت أصلًا مشدودة ومحدودة العرض، لتضيف عنصرًا جديدًا هو النزوح المفاجئ، فتزداد نسب الإشغال سريعًا، ويُعاد تسعير بعض الوحدات تحت ضغط الطلب الطارئ.
بعد النزوح: إعادة تسعير فورية
مع تصاعد موجة النزوح من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، شهدت بعض الشقق المفروشة ارتفاعًا فوريًا في الإيجارات اليومية. شقة كانت تُؤجَّر قبل يومين بـ 70 دولارًا يوميًا، ارتفع سعرها فجأة إلى ما بين 120 و 160 دولارًا في اليوم التالي، أي زيادة تجاوزت 70 % خلال أقل من 48 ساعة. أما الشقق السنوية، فشهدت زيادات سريعة أيضًا: وحدات كانت مطروحة بـ 800 دولار شهريًا أعيد تسعيرها إلى أكثر من 1,100 دولار، في ظل طلب مفاجئ وعرض محدود.
هذا المثال يوضح كيف أن السوق، في لحظات الطوارئ، تتحوّل بسرعة إلى آلية تحكمها قوة العرض والطلب، حيث تصبح الحاجة إلى السكن الملح أداة ضغط مباشرة على الأسعار، فيما المواطن هو الطرف الأضعف الذي يتحمل الكلفة المباشرة للغلاء المفاجئ.
كلفة اقتصادية ممتدّة
ارتفاع الإيجارات لا يعني فقط أرقامًا أعلى، بل سلسلة آثار متشابكة:
تضخم في كلفة المعيشة للأسر النازحة، ضغط على المدارس والخدمات في المناطق المستقبِلة، واحتمالات تثبيت الأسعار المرتفعة حتى بعد هدوء التوتر.
وفي حال طال أمد التصعيد، قد نشهد إعادة رسم دائمة لخريطة الطلب السكني، مع انتقال كثافة سكانية إلى مناطق تعتبر أكثر أمانًا، ما يخلق اختلالًا جديدًا طويل الأمد في سوق العقارات.
اللبناني: «رهينة المغامرات»
في المحصّلة، ما يجري في سوق الإيجارات ليس تفصيلًا عقاريًا عابرًا، بل صورة مكثفة عن اقتصاد هش يتأثر بأي ارتجاج أمني. فبين ليلة وضحاها، تتحوّل الشقة إلى ملاذ، ويرتفع السعر كأنه مؤشر فوري على حجم الخوف. لكن خلف كل رقم عائلة تبحث عن أمان، وموظف يخشى خسارة عمله، وأب أو أم يحسبان كلفة البقاء ليوم إضافي.
المفارقة أن اللبناني لم يعد يفاجأ بالأزمات، بل بسرعة انعكاسها على جيبه. من انهيار العملة إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وصولًا إلى موجات النزوح، يبقى الثابت الوحيد هو انتقال الكلفة إلى المواطن. وفي ظلّ غياب سياسات إسكانية واضحة وآليات طوارئ تضبط السوق في اللحظات الاستثنائية، يصبح السكن جزءًا من معادلة عدم اليقين الدائم.
يبقى السؤال الأعمق: إلى متى سيبقى اللبناني رهينة قرارات عبثية لا ذنب له فيها؟ إلى متى يدفع ثمن حسابات سياسية وعسكرية تتجاوز قدرته على الاحتمال؟ فاقتصاد بلا استقرار أمني لا يمكن أن يستقيم، وسوق بلا مظلة حماية اجتماعية لا يمكن أن تكون عادلة، وبينهما، يبقى اللبناني عالقًا بين جدران بيت يبحث عنه… وواقع يضيق به كلّ يوم.



