امتدت تداعيات حرب إيران ضد الهجمات الأميركية – الإسرائيلية لتطال مفاصل اقتصادية حساسة أخرى بعد الطاقة وسوق السفر الجوي والشحن البحري، ألا وهي سوق الصفقات العقارية.
ووجد هذا القطاع، الذي يُعدّ تقليدياً ملاذاً آمناً لرؤوس الأموال في أوقات الاضطراب، نفسه هذه المرة في قلب دائرة المخاطر، متأثراً بحالة عدم اليقين وتقلبات التمويل وتبدّل شهية المستثمرين.
وبما أن الاستثمار العقاري بطبيعته طويل الأجل ويعتمد على وضوح الرؤية واستقرار البيئة التنظيمية والاقتصادية. لكن تصاعد احتمالات اتساع الخرب أعاد حسابات المخاطر ودفع العديد من المستثمرين إلى تأجيل قرارات الشراء أو التوسع.
والصفقات الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بمشاريع تجارية وسياحية، أكثر عرضة لإعادة التقييم، سواء من حيث الجدوى أو توقيت التنفيذ، بعدما ألقت التوترات في الشرق الأوسط بظلال من الشك على أحد أبرز مؤتمرات العقارات في سنغافورة حتى قبل انطلاقه.
ووفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ الأربعاء، فقد انسحب مجموعة من المسؤولين رفيعي المستوى يمثلون صناديق سيادية خليجية، من بينها جهاز قطر للاستثمار ومبادلة للاستثمار من قمة بي.إي.آر.إي آسيا 2026 المنعقدة الأسبوع الجاري.
وأشار المتحدثون على منصة المؤتمر، إلى أن الحرب بدأت بالفعل تؤثر على معنويات المستثمرين، رغم تأكيد الكثيرين أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على التداعيات طويلة المدى.
وقال هاميش ماكدونالد، رئيس قطاع العقارات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى شركة بلاك روك إن “المتعاملين يشعرون بخوف شديد.”
وأوضح أن “المخاطر السياسية صارت الآن في صدارة الاهتمامات، مع الإشارة إلى أن آسيا لا تزال آمنة نسبيا.. منطقة آمنة،” مؤكداً أنه “لم يتم حسم أو إغلاق أي صفقات حالياً، سواء على صعيد جمع رؤوس الأموال أو تنفيذ الاستثمارات”.
وبلغت قيمة سوق العقارات في الشرق الأوسط نحو420.5 مليار دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن تنمو إلى 849 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 8.1 في المئة، بحسب منصة إيمارك.
وتقدر المشاريع العقارية المخطط لها أو قيد الإنشاء عبر أسواق دول الخليج العربي قيمتها بنحو 1.68 – 1.36 تريليون دولار، وفق مجموعة سيبري، أكبر شركة في العالم لخدمات واستثمارات العقارات التجارية.
وقالت جوزفين ييب، المديرة التنفيذية لشؤون العقارات في آسيا والمحيط الهادئ لدى صندوق التقاعد الكندي خلال ندوة الأربعاء، إن الصندوق كان بصدد البدء في استكشاف الفرص العقارية في الشرق الأوسط ولكن قد “يتوقف مؤقتاً لمراقبة تطورات الأوضاع.”
وخارج جلسات المؤتمر، كان مديرو الصناديق أكثر صراحة. وأفاد بعض المشاركين بأن القلق الأكبر لديهم يتمثل في أن يؤدي اندلاع حرب طويلة الأمد إلى رفع معدلات التضخم وتكاليف الاقتراض.
وهذا الأمر لن يكتفي بتقليص العوائد فحسب، بل قد يضعف أيضاً شهية المستثمرين لإبرام صفقات جديدة، بحسب ما يراه المحللون.
كما أن احتمال استمرار الصراع لفترة طويلة يغذي بالفعل توقعات بحدوث موجة تضخم عالمية، مما سيشكل ضغطاً تصاعدياً على أسعار الفائدة.
وأبدى كيفن وورش، الرئيس المقبل لبنك الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، عن دعمه لخفض الفائدة الأميركية، إلا أن صناع السياسة النقدية قالوا هذا الأسبوع إن الصراع مع إيران أضاف مستوى جديداً من عدم اليقين.
وتحظى التغيرات في أسعار الفائدة الأميركية بمتابعة وثيقة في الأسواق العالمية، ويرجع ذلك جزئياً إلى الانتشار الواسع لحيازة سندات الخزانة الأميركية، لكن هذه التغيرات قد تترك أثراً كبيراً على الأسواق العقارية في آسيا.
وتتبع هونغ كونغ تحركات أسعار الفائدة الأميركية للحفاظ على ربط عملتها بالدولار الأميركي، بينما يعني تركيز السياسة النقدية في سنغافورة على سعر الصرف أن تكاليف الاقتراض المحلية قد تتأثر بتقلبات أسعار الفائدة في الولايات المتحدة.
420.5 مليار دولار قيمة سوق العقارات في الشرق الأوسط عام 2025، وقد تنمو إلى 849 مليار دولار بحلول 2034، بحسب منصة إيمارك
وكان من المقرر أن يُختتم المؤتمر الأربعاء، في حين شهدت أسواق الأسهم في أنحاء آسيا تراجعاً كبيراً، حيث أضافت القفزة في أسعار النفط مزيداً من القلق إلى المخاوف الأوسع المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي.
وقد اتجه مؤشر كوسبي القياسي في كوريا الجنوبية يتجه لتسجيل أكبر تراجع خلال يومين منذ عام 2008. كما تراجع مؤشر بلومبيرغ لأسهم العقارات في الأسواق الآسيوية المتقدمة بنحو 4 في المئة.
وبدا بعض المشاركين في مؤتمر سنغافورة العقاري أيضاً متشائمين بشأن العودة إلى الاستثمار في الصين، حيث يستمر الركود في سوق العقارات منذ أكثر من 4 سنوات.
وقال سوني كالسي، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة الاستثمار العقاري بي.جي.أو، ومقرها ميامي، إنه “لا يزال بر الصين الرئيسي منطقة غير قابلة للاستثمار على الإطلاق”.
ويرى فرانسوا تروش، الرئيس التنفيذي لشركة بيمكو برايم ريل إستيت أن أزمة العقارات ليست السبب الوحيد، إذ إن “المستثمرين لا يرغبون في الاستثمار في الصين بسبب الخصم الاستراتيجي،” في إشارة إلى استمرار التوترات الجيوسياسية.



