تفاؤل حذر بعد الاتفاق المبدئي مع صندوق النقد

0

إذ نرحّب بالإتفاق المبدئي الأخير الذي تمّ بين الحكومة اللبنانية وصندوق النقد الدولي، أو بالأحرى “شبه الإتفاق”، نُدرك تماماً أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل والتنفيذ والملاحقة، وهذه كانت وستبقى المشكلة الأساسية في لبنان.

في هذه الأزمة الخانقة نتمسك بأي فسحة أمل، أو أي نافذة أو كوة صغيرة تُفتح أمامنا. لكن من الواضح أنّ نحو 3 مليارات دولار الموعودة، خلال السنوات الأربع المقبلة، لا تكفي لإنعاش الإقتصاد ولا لسدّ الهوّة السحيقة التي تورّط لبنان بها. لكن، اذا طُبّقت الإصلاحات المطلوبة سيُوضع لبنان على السكة السليمة، وتُعاد أنظار البلدان المانحة ويُعاد بناء الهيكلة والاقتصاد وفق أُسس سليمة.

لا نستطيع أن ننسى أو نتناسى، بأنّ كل المؤتمرات التي عُقدت من أجل لبنان لمساعدته إقتصادياً، إجتماعياً، إستثمارياً، مالياً ونقدياً، في الربع القرن الأخير، وأبرزها مؤتمر “سيدر”، الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس في العام 2018، إستقطب أكثر من 11 مليار دولار، فيما لم نحصل على سنت واحد منها، لأنّه لم يُطبّق أي شرط من شروط الإصلاحات المطلوبة، ومنها دفاتر شروط مفصّلة حسب المشاريع الواضحة، وتوظيف شركات تدقيق دولية من أجل مراجعة هذه المشاريع. يا للأسف لم يُقدّم مشروع واضح وشفاف حتى الساعة للقيّمين والمانحين.

لا نستطيع أن ننسى او نتناسى أيضاً مؤتمرات باريس (1 و2 و3)، وروما، وستوكهولم، وبروكسل، ولندن، التي كانت تنطوي كلها على وعود حقيقية بضخ سيولة وتمويل مشاريع لم نرَ منها إلاّ قسماً ضئيلاً من هذه الأموال التي هُدرت فساداً او سرقة أو لتمويل مشبوه.

إنّ اللاعبين وأصحاب القرار والسياسيين هم أنفسهم الذين يُفاوضون ويعدون بالإصلاحات. لذا إنّ تفاؤلنا حذر جداً.

من جهة أخرى، انّ ثمّة عناوين كبرى، يتألف منها مشروع الإتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي، وهي كالتالي:

– التشريع، وهو يعني تشريع قوانين عدة، بينها رفع السرية المصرفية كأولوية. فمن المعروف أنّ مجلس النواب اللبناني الحالي، من الصعوبة بمكان أن يلتئم في الوقت الراهن في جلسة عامة، لإقرار هذا المشروع، لذا سيُرحّل إلى المجلس المقبل الذي لن يبدأ العمل الجدّي والتشريعي قبل أواخر العام الحالي 2022، ومطلع العام 2023.

– توحيد سعر الصرف، وهذا المشروع تحديداً، يتضمّن آليات معقّدة، يصعب تطبيقها، في ظلّ سيطرة السوق السوداء، على السوق المحلية وعدم وجود إرادة حقيقية لوضع حدّ لها.

– التدقيق المالي في كل مداخيل الدولة كي يتطلع الصندوق إلى كيفية قيام الدولة اللبنانية بتسديد الأموال المقترضة. علماً أنّ المطالبين بالتدقيق الجنائي الأساسي هم أنفسهم الذين أطاحوا به، فهنا أيضاً لدينا شكوك جدّية لتطبيق أي تدقيق جدّي وشفاف.

– انّ هذا المشروع المبدئي وضع أيضاً حداً، ومنع المس بإصول الدولة. هذا يعني أنّه برّأ ذمة الدولة من أي مسؤولية مباشرة عن الخسائر التي تكبّدتها. فهناك تساؤلات مَن الذي سيتحمّل الخسائر؟ وكيف ستُموّل؟ وأين المسؤولية؟

– إضافة إلى ذلك، لن يُذكر مشروع “الكابيتال كونترول” إلاّ في نهاية هذا الإتفاق المبدئي كجزء من الكماليات، وليس كأولوية مطلقة، مثلما كان موعوداً به. ويُشار إلى أنّ مشروع “الكابيتال كونترول” ليس واضحاً بعد ولا اتفاق عليه وخصوصاً حيال أموال الكاش.

في المحصّلة، مرة أُخرى، نُرحّب بهذا الإتفاق المبدئي مع صندوق النقد الدولي، وبالضغط الذي يُمارسونه لتنفيذ الإصلاحات المرجوة منذ سنوات وعقود. وأيضاً نُرحّب بجدّية تعاطي مسؤولي صندوق النقد بلبنان، ولا سيما قبل استقالة الحكومة والانتخابات وهذا وضع نادر. لكن في الوقت عينه، لا ننكر مخاوفنا وانعدام الثقة التي هي سيّدة الموقف.

أخيراً، لا شك في أنّ هناك نية حقيقية دولية عربية وعبر صندوق النقد، لمساعدة لبنان في هذه المحنة، لكن في الوقت عينه إننا نشهد منافسة دولية من كثير من البلدان التي تطلب المساعدة أيضاً بعد جائحة كورونا، والتدهور الإقتصادي، أو جرّاء الحرب الروسية- الأوكرانية، وارتفاع أسعار القمح والنفط والغاز وسائر المشتقات النفطية، فضلاً عن السلع الضرورية التي فرضت ضغوطاً حادّة على البلدان المستوردة.

 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here