شكل التحرك الأغرب في السوق خلال أسبوع مقلق من اندلاع حرب جديدة في الشرق الأوسط هو تراجع أسعار الذهب، الملاذ الآمن الأبرز بعد موجة متسارعة من الصعود على الأشهر الماضية.
وبدلاً من الإقبال على المعدن النفيس، بدا أن المستثمرين يتسابقون للحصول على الدولار الأميركي، متخلصين من أي شيء شهد ارتفاعاً مضاربياً قبل الهجمات الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران نهاية الأسبوع الماضي.
وبعد ثلاثة أيام من هجمات السبت على إيران، تراجع الطلب الأولي على المعادن النفيسة بسرعة. وشهد الثلاثاء انعكاساً كبيراً، حيث انخفض الذهب فجأة بنسبة 4 في المئة، وتراجعت الفضة بنسبة تصل إلى 10 في المئة.
ويُعزى هذا التراجع إلى عودة الدولار إلى مكانته كملاذ آمن، والتي شهدت ارتفاعاً في قيمته هذا الأسبوع رغم الخسائر الفادحة في الأسهم والسندات الأميركية.
وقد تتجه الصناديق العامة والخاصة في منطقة الشرق الأوسط، التي تواجه حاليًا ضربات إيرانية انتقامية، إلى اللجوء إلى الدولار الأمريكي لتوفير السيولة.
كما يُحتمل أن يكون ارتفاع أسعار النفط والغاز المقومة بالدولار قد حفّز الطلب على السيولة النقدية بالعملة الاحتياطية العالمية.
لكن السبب الرئيسي لارتفاع الدولار، على الأرجح، هو تضرر الاقتصادات الأوروبية والآسيوية الكبرى جراء انقطاع إمدادات الطاقة لفترة طويلة وارتفاع أسعارها، مقارنةً بالولايات المتحدة التي تتمتع بحماية نسبية.
في كلتا الحالتين، يُقلل انتعاش الدولار من جاذبية الذهب. ولكن ثمة أسباب أخرى محتملة لغياب الذهب عن السوق هذا الأسبوع، وفق مايك دولان كاتب عمود في وكالة رويترز.
وأحد الأسباب هو ارتباط الذهب بالفرنك السويسري. فكلاهما يُعد تقليديًا من أكثر الملاذات الآمنة في أوقات الأزمات، ويرتفع سعرهما معًا، لاسيما بعد أن فقدت عملات أخرى، مثل الين الياباني وسندات الخزانة الأميركية، مكانتها كملاذ آمن في السنوات الأخيرة.
ولكن تحذيراً استثنائياً من البنك المركزي السويسري الاثنين، بشأن تدخل محتمل لبيع الفرنك، سرعان ما عكس مكاسب العملة مقابل كل من الدولار واليورو. وقد يكون التراجع الناتج في عمليات بيع الملاذات الآمنة قد زاد الضغط على الذهب.
أما التفسير الأكثر واقعية فهو أن المستثمرين الذين أقبلوا على شراء الذهب بكثافة في موجة مضاربة محمومة والتي كادت أن تضاعف سعره إلى مستويات قياسية جديدة العام الماضي يقومون ببساطة ببيع أفضل صفقاتهم أداءً مع ارتفاع المخاطر والتقلبات.
ويتوافق ذلك مع التراجع المفاجئ لأفضل سوق أسهم أداءً هذا العام حتى الآن. فقد انخفض مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 7 في المئة الثلاثاء مع عودة سيول من عطلة، مما أدى إلى تراجع جزئي في الارتفاع الذي بلغ قرابة 50 في المئة منذ بداية العام.
مع تزايد التقلبات واحتمالية حدوث صدمة طاقة أخرى للاقتصاد العالمي، قد يسعى العديد من المستثمرين ببساطة إلى زيادة السيولة النقدية
وكان الذهب والفضة ثاني وثالث أفضل الأسواق أداءً في عام 2026 قبل الإضرابات، بعد مؤشر كوسبي الذي حقق أداءً مذهلاً، بينما انخفض مؤشر نيكاي الياباني، الذي ارتفع بنحو 15 في المئة قبل عطلة نهاية الأسبوع بأكثر من 4 في المئة منذ ذلك الحين.
ومع تزايد التقلبات واحتمالية حدوث صدمة طاقة أخرى للاقتصاد العالمي، قد يسعى العديد من المستثمرين ببساطة إلى زيادة السيولة النقدية.
ويشير عدم أداء الذهب كملاذ آمن في ظل هذه الظروف يُشير إلى الكثير حول طبيعة عمليات الشراء والارتفاع الذي شهده خلال العام الماضي، ولاسيما اعتماده الكبير على الانعكاس المستمر لقوة الدولار التي استمرت لأكثر من عقد.
وصرّح دان كاتز، النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي الثلاثاء، بأن سلوك الدولار هذا الأسبوع يُظهر استمرار دوره كملاذ آمن، وأن العملة الأميركية لا تزال “قلب النظام النقدي الدولي”.
وقد يرتفع الذهب لأسباب أخرى. ولكن إذا كان صعوده الصاروخي الأخير مدفوعًا بتوقعات كارثية حول انهيار الدولار، فإن قد تدفع تحركات هذا الأسبوع إلى إعادة النظر.



