الرئيسية اقتصاد لبنان جباعي: نسعى لاستقطاب الشركات إلى البورصة

جباعي: نسعى لاستقطاب الشركات إلى البورصة

ليست الأسواق المالية ترفًا في الاقتصادات الناشئة، بل واحدة من أسرع الأدوات لتحويل النمو من “فكرة على الورق” إلى “دورة استثمار حقيقية”. حين تتوافر بورصة فعّالة، تصبح الشركات قادرة على جمع التمويل من الجمهور والمؤسسات وذلك عبر إصدار الأسهم والسندات، بدلًا من الارتهان للقروض المصرفية وحدها، وهو ما يخفف الكلفة، ويطيل أفق الاستثمار، ويخلق مساحة للتوسع والتوظيف والابتكار.

الاعتماد المفرط على الادخار في المصارف، مثلما حصل في لبنان ما قبل الأزمة، يبقي الثروة ضمن قنوات ضيقة تؤدّي إلى تضخم هشاشة الاقتصاد. وعندما تقع أزمة ثقة ينهار كل شيء. من هنا تأتي أهمية الأسواق المالية، لأنها تفتح الباب أما تنويع الاستثمارات بين: أسهم لشركات مُنتجة، وسندات لتمويل مشاريع وبنى تحتية، وصناديق استثمار تُوزع المخاطر عبر قطاعات متعددة… وهو ما يصبو إليه مصرف لبنان اليوم، من خلال تنشيط هيئة الأسواق المالية وتعزيز دورها الاقتصادي.

في حديث مع “نداء الوطن”، يشرح نائب رئيس هيئة الأسواق المالية د. محمود جباعي، أهمية هذا القطاع، ويقول “عندما تسلّمنا هذا المنصب، بإشراف سعادة حاكم مصرف لبنان الدكتور كريم سعيد، وكذلك تحت وصاية وزارة المالية وبدعم من الوزير ياسين جابر، وخصوصًا بتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية جوزف عون لمكافحة الفساد في مختلف مؤسسات الدولة، بدأنا تنظيم العمليات في السوق وضبط المخالفات”.

يكشف جباعي أن الهيئة وجهت نداءات لكل العاملين في المجال المالي وللطامحين إلى العمل فيه، إلى ضرورة التنبّه إلى عدم التعامل مع أيّ شركة أو مؤسسة غير مُدرجة على موقع هيئة الأسواق المالية، الذي يكشف بالتفاصيل صلاحيات الهيئة وطبيعة عملها، ويبيّن أيضًا أسماء الشركات المالية المُدرجة ضمن جداولها. لأن خضوع الشركات لوصاية ورقابة الهيئة يوفر بحسب جباعي “الحماية للمستثمرين، من الشركات غير المرخصة التي تهدد أموال المستثمرين بالضياع”.

في معرض شرحه لأهمية الأسواق المالية، يقول جباعي “العالم كله يتوجّه بسرعة اليوم نحو الاقتصاد الرقمي والتكنولوجي. ومعه، يتزايد البحث عن الملاذات الآمنة وتنوع الاستثمارات مثل الذهب والفضة والذكاء الاصطناعي وغيره، وذلك على حساب النمط الاقتصادي التقليدي”. وفي هذا السياق، يعتبر جباعي أن الدور الرقابي للأسواق المالية في لبنان يكتسب أهمية كبرى لأن هذا الدور الرقابي “يساهم في حماية الاقتصاد اللبناني من مخاطر تبييض الأموال وتمدّد اقتصاد النقد (Cash Economy)، وكذلك يعزز من مكافحة الفساد.. خصوصًا أن هذه العناوين مطلوبة من لبنان دوليًا”.

يضيف: “السوق المالي سوق واسع، ويمكن أن يتحول إلى مساحة لإخفاء تبييض الأموال والفساد، إذا لم يكن مضبوطًا عبر هيئة الأسواق المالية، التي تملك الصلاحيات اللازمة لمراقبة الشركات العاملة فيه”. ويردف: “للأسف، بعد الأزمة، ونتيجة ضعف الدراية والإهمال، تُرك هذا المجال للفوضى ولتفلّت السوق، فظهرت شركات تعمل في الوساطات المالية كوسطاء أو بورصات غير شرعية…” وهو ما يعتبر جباعي كما مجلس الهيئة “مسؤولية كبرى ملقاة على عاتقنا من أجل تنظيم هذه الفوضى، خصوصًا أن الهيئة تملك صلاحيات واسعة في مجال إصدار التراخيص، ومراقبة إدارة الأصول، وترتيب الأوراق المالية والسندات، وكذلك مراقبة تنفيذ العمليات المالية التي تتم بين الشركات من جهة أو بين الشركات والأفراد من جهة أخرى”.

عن الخطوات التي تتبعها الهيئة من أجل تنظيم العمل، يكشف جباعي أن الخطوة الأولى التي قاموا بها في هذا الصدد، كانت “توجيه إشعار إلى النيابة العامة المالية من أجل لجم الشركات والأفراد غير المرخصين”. ويوضح أن أي شركة غير مرخصة يجب عليها اللجوء إلى هيئة الأسواق المالية من أجل تسوية أوضاعها لأنه بغير ذلك سيتم اللجوء إلى النيابة العامة المالية والقضاء لضبط المخالفين وإقفال الشركات المخالفة بالشمع الأحمر”.

في معرض شرحه لأهمية الأسواق المالية، يغوص جباعي في الأسباب التي تراكمت على مدى ثلاثين عامًا، فيرى أن الاقتصاد في لبنان، “كان ريعيًا مصرفيًا يعتمد على الفوائد، وكانت المصارف تقوم بدور الوساطة المالية.

أمّا اليوم، فلا بدّ من تنظيم هذا الخلل، من خلال الفصل بين عمل المصارف والأسواق المالية، ولو أن بعض المصارف تملك تراخيص للعمل في المجالين ونحن نشجّع ذلك”. يكشف كذلك أنه بعد الأزمة، بات من الصعب على المواطن اللبناني استعادة الثقة بسرعة، ولذلك يؤكد بالقول: “نحن ملزمون بتوفير رديف آمن وواضح من أجل بناء هذه الثقة مجددًا، من خلال سوق مالية منضبطة وشفافة، تعمل عبر شركات مرخصة، وكذلك عبر بورصة بيروت التي تخضع اليوم لإعادة تنظيم من خلال لجنة كُلّفت برئاستها من مجلس الإدارة، وبهدف إعادة تحسين تعاملاتها وتحويل عملية تسعير الأسهم المدرجة فيها من الدولار المصرفي المحتجز (أو ما يعرف باللولار)، إلى الدولار الفريش”.

يضيف: “اليوم، لدينا عدد متواضع من الشركات المدرجة في البورصة، ونسعى لاستقطاب أكبر قدر ممكن من هذه الشركات المحلية والأجنبية مع إطلاق بورصة بيروت مجددًا في غضون الأشهر الثلاثة المقبلة”. أما عن الهدف من نقل الأسعار إلى الدولار الفريش فهو “منح السوق قيمته الفعلية، وضبطه، من أجل إطلاق آلية العرض والطلب بصورة سليمة”. كاشفًا أن عملية التحول هذه سوف تؤدي إلى “استدراج الشركات التي تستوفي الشروط إلى بورصة بيروت، من أجل تحريك العجلة الاقتصادية، وتعزيز الناتج المحلي، وخصوصًا تكريس الشفافية أمام المجتمع الدولي، لأن هذا العامل يعطي صورة أفضل عن لبنان ويساعد على تخطي لبنان فخ اللائحة الرمادية”.

على المستوى الإقليمي، يكشف جباعي أن لبنان بصدد تعزيز حضوره في اجتماعات هيئة الأسواق المالية العربية، وذلك بهدف “ترسيخ مزيد من الشفافية، انطلاقًا من الالتزام بمعايير الشفافية المالية العالمية، بما يمنح ثقة أكبر للمستثمرين الراغبين في دخول السوق اللبناني”. وفي الختام يرى أن هيئة الأسواق المالية سوف تساعد مصرف لبنان والقطاع المصرفي، حكمًا، في تقديم صورة أفضل عن القطاع المالي في لبنان وستكون قادرة على رفد خزينة الدولة بالإيرادات عبر الرسوم التي تدفعها الشركات المدرجة في البورصة… وهو ما يوفر للدولة مصادر دخل إضافية”.

جباعي لم يُخفِ أن ثمة جهات عربية ودولية تتقدم بطلبات من أجل الدخول إلى الأسواق المالية في لبنان، “سواء لإدراج شركاتها في بورصة بيروت أو للحصول على تراخيص من الهيئة، بهدف الانخراط في السوق اللبناني”… وهذا مؤشر إيجابي قد يُبنى عليه مستقبلًا.

 

مصدرنداء الوطن - عماد الشدياق
المادة السابقة“أصحاب المحطات” يوضحون هذه الحقائق
المقالة القادمةملف الشاحنات بين لبنان وسوريا: توسيع الاستثناءات وتمسّك بالمعاملة بالمثل