جمعية المصارف في بيانها: الكذب ملح الأوليغارشيا

0

بعد نحو أسبوعين، ستكون قد مرّت ثلاث سنوات بالتمام والكمال على حصول الانهيار المالي، وبدء تمنّع المصارف اللبنانيّة عن السداد لمودعيها بشكل صريح وواضح. بعد كل هذه المدّة، وجدت جمعيّة المصارف أنّ الوقت بات مناسبًا لمصارحة المودعين بمصير أموالهم، في بيان بدأ في مقدّمته بتحديد الإشكاليّات التي سيتناولها، تمامًا كتحليلات نصوص الفلسفة النظريّة في صفوف الثانويّة العامّة: أي هي الودائع؟ من المسؤول؟ هل كان بوسع المصارف التصدّي للسياسات الماليّة والنقديّة؟ هل كان بالإمكان استدراك الوضع؟ لماذا جفّت السيولة؟ ما هي الإجراءات الملحّة؟ أي مصير ينتظرنا؟

إنّه بيان مصارحة ومكاشفة إذًا، اختار أن يبدأ بتحديد الإسئلة التي وجدت جمعيّة المصارف أنّ من واجبها الإجابة عنها، كما يقول البيان. مصارحة غريبة ومتأخّرة جدًّا، لم تأتِ إلّا على وقع اقتحامات الفروع المصرفيّة… لكن أن تصارح المودع متأخّرًا خيرٌ من أن لا تصارحه أبدًا، خصوصًا إذا كان من يجيب على هذه الأسئلة هو المؤتمن الذي تصرّف بهذه الأموال، والعارف بكيفيّة تراكم الخسائر في ميزانيّاته المجمّعة. عند جمعيّة المصارف الخبر اليقين، فلتصارحنا الجمعيّة إذًا…

فجوة الخسائر بالعملات الأجنبيّة

أين هي إذًا الودائع بالعملات الأجنبيّة، يا جمعيّة المصارف؟

“تختلف الآراء وتتنوّع” يجيب البيان، “لكنّها كلها تصب في خانة صرف الأموال على الدعم وتثبيت سعر الصرف والفوائد المرتفعة والكهرباء وحاجات الدولة من الاستيراد وغيرها…” بهذه الخفّة والسذاجة، وبهذا الاستهزاء بعقل القارئ، يجيب البيان على السؤال المركزي والأساسي، المتعلّق بمصدر فجوة الخسائر التي ألمّت بأموال المودعين.

المثير للسخرية هنا، هو أنّ جمعيّة تمثّل شركات ماليّة ناهز حجمها 4.5 أضعاف الاقتصاد المحلي قبل الانهيار، تتصوّر أن مراكمة خسائر تجاوز حجمها الـ 73 مليار دولار، مسألة يخضع تفسيرها لتنوّع الآراء واختلافها. لينتهي البيان إلى تعداد عشوائي لعبارات عامّة وفضفاضة، دون أي تفصيل لحجم ونوعيّة كل من العمليّات المُشار إليها بهذه العناوين، والتي يخفي بعضها (كتثبيت سعر الصرف والفوائد المرتفعة) الهندسات الماليّة التي استفادت منها المصارف بالذات.

أليس في هذه الجمعيّة خبير مالي واحد، يضع جدولًا بأبواب توظيف هذه المودائع وكيفيّة تبديدها كل فئة منها؟ تستنجد الجمعيّة بتصريح سابق لحاكم مصرف لبنان، أشار فيه إلى أنّ الدولة سحبت بموجب قوانين 62 مليارًا و670 مليون دولار، من المصرف المركزي. ورياض سلامة، هو نفسه الحاكم الذي أشار إلى أنّه أقرض الدولة بالليرة اللبنانيّة، لا الدولار الأميركي. وهو نفسه الحاكم الذي تشير ميزانيّته إلى أنّ حجم اكتتاباتها بسندات اليوروبوند (سندات الدين بالدولار) لا يتخطّى الخمس مليارات دولار. إذًا، هل تستنجد الجمعيّة بتصريح يشير إلى إجمالي ما اقترضته الدولة بالليرة والدولار، لتفسّر كيفيّة تبديد الودائع بالعملات الأجنبيّة؟ مجددًا، وطالما أنّ الجمعيّة تصارح المودعين، أليس فيها من يتقن وضع رسمًا بيانيًّا يفسّر مصادر تنامي الفجوة بالعملات الأجنبيّة وتراكمها عبر السنوات الماضية، بدل كل هذا اللف والدوران؟

أكذوبة إقراض الدولة

طالما أن جمعيّة المصارف عجزت عن الدخول في تشريح هذه الفجوة، فبالإمكان الاستعانة بدراسة الخبير المالي توفيق كاسبار، الذي دخل في تشريح كهذا. في هذا التشريح، تبيّن أن إجمالي ما وظفته المصارف لدى مصرف لبنان تجاوز الـ 100 مليار دولار. كما يتبيّن أن الدولة عوّمت المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة، عبر عمليّات تبادل سندات اليوروبوند، أكثر مما حصلت عليه من دولارات من المصرف، وذلك بخلاف ما يُشاع عن تبديد دولارات مصرف لبنان عبر إقراض الدولة.

وفي الخلاصة، تبيّن لكاسبار أن ثمّة 38 مليار دولار من أصل فجوة خسائر مصرف لبنان مازالت مجهولة المصدر، يُرجّح ارتباطها بعمليّات وأرباح الهندسات الماليّة وما رافقها من تحويلات استفادت منها المصارف، والتي جاءت تحت عناوين الفوائد المرتفعة وتثبيت سعر الصرف، المُشار إليها في البيان.

أمّا مسألة إقراض المركزي للدولة، فتركّزت على السندات المقومة بالليرة اللبنانيّة، ولا علاقة لها بفجوة الخسائر بالعملات الأجنبيّة، تمامًا كما أكّد حاكم مصرف لبنان نفسه في تصريح آخر، غير التصريح الذي أشار له بيان جمعيّة المصارف. بمعنى آخر، دخلت جمعيّة المصارف بيان المصارحة والمكاشفة مع المودعين بكذبة كبيرة، مبنيّة على تصريح مجتزأ لحاكم مصرف لبنان، الذي لا يفوق جمعيّة المصارف وضوحًا ولا صراحة أصلًا. ودخلت البيان بعبارات غامضة، تشير إلى عناوين كبيرة دون كشف أبعادها، كعمليّات “تثبيت سعر الصرف والفوائد المرتفعة”.

مسؤوليّة غياب الكابيتال كونترول

يذهب بيان الجمعيّة إلى توزيع المسؤوليّات عن تفاقم الأمور منذ تشرين الأوّل 2019، ليشير إلى أنّ الفجوة الماليّة لم تكن لتتسع على هذا النحو لو أنّ الدولة قامت منذ اليوم الأوّل بإقرار قانون للكابيتال كونترول. ومن الناحية العمليّة، يمكن القول أن البيان أصاب الحقيقة هنا، لكونه ببساطة اعترف بعمليّات تهريب الأموال التي جرت على مدى السنوات الثلاث الماضية، لحساب كبار النافذين ماليًّا وسياسيًّا. وهذه عمليّات، تُسأل عنها بالمناسبة المصارف نفسها، صاحبة قرار الفصل في حبس وتهريب الودائع.

إلا أنّ الجمعيّة تُسأل عن هذه العمليّات لسبب آخر، وهو تحديدًا الدور الذي لعبته على مستوى الضغط على جميع الجهات لعدم إقرار قانون للكابيتال كونترول، بل وحتّى لعدم إقرار الكابيتال كونترول بموجب تعميم من قبل المصرف المركزي، بحسب الصلاحيّات التي تعطيه إياها المادّة 174 من قانون النقد والتسليف. وأبرز دلالة على هذا الدور، الذي أطاح بالكابيتال كونترول وسمح للمصارف بالاستمرار بتهريب الأموال، تبرز في بيان الجمعيّة المؤرّخ في 11 تشرين الثاني 2019، والذي رحّبت فيه بقرار حاكم مصرف لبنان عدم اعتماد آليّة “الكابيتال كونترول”.

فهل تشكو جمعيّة المصارف نفسها، حين تتحدّث عن دور الكابيتال كونترول في تعميق فجوة الخسائر؟ هل تشكو عمليّات تهريب الأموال التي قامت هي بها؟ أم أنها تشكو الاستنسابيّة التي قامت بها بنفسها، عبر حبس معظم الودائع وتهريب بعضها؟ أو أنّها تشكو ما قامت به كجمعيّة من مناشدات وضغوط لعدم إقرار الكابيتال كونترول؟

المصارف لم تكن مكرهة على سرقة المودعين

ثم ينتقل البيان للإشارة إلى عجز المصارف عن التصدّي للسياسات الماليّة والنقديّة التي أودت بأموال المودعين، عبر الحديث عن “الحدود الموضوعة للتوظيفات الإلزاميّة بالعملات الأجنبيّة”، في محاولة للقول بأن المصارف أُجبرت على إيداع أموالها لدى مصرف لبنان كتوظيفات إلزاميّة.

وهنا، يتناسى البيان حقيقة أن نسبة الاحتياطي الإلزامي بالنسبة للعملات الأجنبيّة لم تبلغ قبل الأزمة حدود الـ 15% من إجمالي الودائع، فيما سُمح للمصارف بسحب جزء كبير منه لتمويل القروض المدعومة (بحسب تعاميم مصرف لبنان نفسها). في المقابل، بلغت توظيفات المصارف لدى المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة نحو ثلثي قيمة الودائع الموجودة لديها، وتم توظيف هذه الأموال طوعًا وبإرادة المصارف نفسها، طمعًا بالأرباح الفاحشة التي أمنتها مرحلة الهندسات الماليّة بين عامي 2016 و2019، والتي ساهمت بدورها بتعميق فجوة الخسائر الموجودة في مصرف لبنان اليوم.

باختصار، وبخلاف ما أشارت إليه مقدمة بيان جمعيّة المصارف، لم يحمل البيان أي مصارحة أو مكاشفة ذات قيمة، بل اقتصر مضمونه على البروباغندا التي حاولت جمعيّة المصارف تسويقها منذ بداية الأزمة وحتّى اليوم. وعمليًّا، من الصعب الاقتناع بأي مصارحة فعليّة اليوم، ما لم ترتكز أولًا وقبل كل شيء على تدقيق مالي شفّاف، تصادق عليه جهات تملك الحد الأدنى من المصداقيّة. وهذا وحده ما يسمح لهذه المصارحة بأن تستند على أرقام واضحة، تحدد توزّع المسؤوليّات فيما يخص كتلة الخسائر المتراكمة في النظام المالي، وكيفيّة تنامي هذه الخسائر طوال السنوات الماضية. عندها فقط، يمكن تحديد الأطراف التي استفادت من تراكم الخسائر في الماضي، والأطراف التي يفترض أن تتحمّل وزر هذه الخسائر اليوم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here