حكومة سلام… وأسئلة ما بعد الثقة

تمامًا كما كان متوقّعًا، اجتازت حكومة نوّاف سلام امتحان نيل الثقة في المجلس النيابي، وبأغلبيّة مريحة إلى حدٍ بعيد. لكنّ مضمون كلمات النوّاب في جلسة الثقة، وفي طليعتهم أولئك الذين منحوا الحكومة الثقة، لم يخلُ من التساؤلات حول توجّهات الحكومة، بخصوص العديد من العناوين الاقتصاديّة والماليّة. أي بصورة أوضح، ثمّة خيارات كبيرة ستضطرّ الحكومة الجديدة إلى حسمها، خارج المربّع الرمادي والعمومي الذي تموضع فيه -اقتصاديًا- البيان الوزاري.

وإذا كان مفهومًا أن تفرض اضطرارات التشكيل، ثم عبور مرحلة نيل الثقة، تأجيل البت في بعض العناوين الماليّة الحسّاسة، بما فيها “الأحجية المصرفيّة“، فالتحديات التي ستفرض نفسها خلال أسابيع قليلة من الزمن لن تسمح بالكثير من المراوحة. ولا يوجد مبالغة في القول أنّ بضعة أسابيع ستكونُ كافية لوضع الحكومة أمام مفترق طرق في العديد من المسائل الاقتصاديّة الداهمة، وخصوصًا تلك التي ظلّت معلّقة طوال فترة الفراغ الرئاسي.

شكل خطّة التعافي

تكرّرت في العديد من المداخلات التساؤلات حول المبادئ العامّة التي سترعاها خطّة التعافي المالي، وخصوصًا في الجانب المتعلّق بعمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي. لم يطمئن النائبة حليمة قعقور، التي منحت الحكومة الثقة، أن تقتصر إشارات البيان الوزاري في هذا الصدد على الوعد بـ “أفضل المعايير الدوليّة”، كي “تحظى الودائع بالاهتمام من خلال وضع خطّة متكاملة”. سألت قعقور عن معيار المساءلة، وعن مغزى الحديث العام عن الاهتمام بجميع الودائع، بدل الدخول في تصنيف الودائع من حيث مشروعيّتها، أو بناءً على عمليّة توزيع للمسؤوليّات.

لم تكن قعقور الوحيدة التي ساورها هذا الشعور. فالنائب إبراهيم منيمنة مثلًا لم يقدّم انتقادات واضحة لهذا الجانب من البيان الوزاري، لكنّه أضاف إلى مضمونه ضرورة الاستناد إلى المحاسبة كمعيار “وحيد” قادر على معالجة الأزمة. “فتح الدفاتر والنظر في أسباب الخسائر ومن استفاد منها”، كانت عبارات واضحة أراد منها منيمنة تقديم إضافته، في الجانب المتعلّق بالمسألة المصرفيّة وكيفيّة معالجتها.

الطريق إلى هذه المحاسبة والمساءلة وفتح الدفاتر، كان لها مقدّمات وشروط لم ترد في البيان الوزاري، لكنّها وردت كتوصيات في كلمة النائب ميشال الضاهر، الذي كان أيضًا من أبرز المتحمّسين لمنح الحكومة الثقة. “إلغاء السريّة المصرفيّة، والعودة أقله عشر سنوات إلى الوراء”، هي خطوات تترجم مطلب البحث عن أسباب الخسائر، بما يشمل عمليّة مراجعة التحويلات والمستفيدين من عمليّات المرحلة السابقة.

معيار توزيع الخسائر

ما طرحه هؤلاء النوّاب، لم يكن بعيدًا عن منطق دروس المرحلة السابقة. ما في النظام المصرفي من سيولة، لا يكفل “حفظ الودائع” كشعار عام. ومن يطرح مسؤوليّة الدولة، يعلم عجزها عن ردم فجوة بهذا الحجم. ثمّة معيار يجب وضعه لـ “توزيع الخسائر”، وهي عبارة أخرى لم ترد في البيان الوزاري أيضًا. وهذا المعيار، يجب أن تُصاغ على أساسه روحيّة خطّة التعافي المالي، التي سيتم التفاوض وفق مضمونها مع صندوق النقد الدولي. ولن تملك الحكومة الكثير من الوقت قبل حسم هذه الأسئلة، طالما أنّ بعثة الصندوق تنتظر استكمال التفاوض بالسرعة القصوى، بعد نيل الحكومة الثقة من المجلس النيابي.

في ردوده على كلمات النوّاب، كان رئيس الحكومة نوّاف سلام أدق وأكثر تحديدًا من نص البيان الوزاري نفسه. كشف بعض المعايير، ومنها أولويّة الودائع الصغيرة المتوسّطة والصناديق الإئتمانيّة. غير أنّ سلام لم يفارق، في ردّه، النبرة الحذرة إزاء سائر المعايير التي ستعتمدها حكومته في عمليّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي.

على أي حال، تأخّر الحكومة في البت في هذا الملف سيفتح باب بعض أشكال المزايدات في مسألة المودعين. وهذا ما بدأ النائب جبران باسيل بالتمهيد له، من خلال إلحاحه مؤخرًا في السؤال عن رؤية الحكومة لمسألة “توزيع الخسائر”، التي لحظ غياب ذكرها في البيان الوزاري، وعن رأيها بخطّة لازارد والسجال الذي دار حولها في مرحلة العام 2020. ورغم أن باسيل نفسه لم يقدّم رؤية واضحة بهذا الشأن، لن يكون صعبًا عليه استهلال معارضته للحكومة بالتصويب على مسائل من هذا النوع في المرحلة المقبلة.

الملفّات الماليّة المعلّقة

ثمّة لائحة طويلة من الملفّات الماليّة المعلّقة، ومنها مسائل مثل مسار التدقيق في ميزانيّات المصارف التجاريّة، الذي لم يبدأ بعد رغم وروده كشرط في تفاهم لبنان مع صندوق النقد عام 2022. لم يقدّم البيان الوزاري تعهّدًا واضحًا بهذا الشأن، غير أنّ النائب ميشال الدويهي لحظ ضرورة المضي بهذه العمليّة، نظرًا لأهميتها على مستوى فهم الواقع المالي للقطاع.

ومداخلة الدويهي امتازت كذلك بالتصويب على واقع مصرف لبنان الحالي، الذي “ما زال مركز الزلزال” على حد تعبيره. مع توصيف سياسة المصرف النقديّة الحاليّة بالـ “إنجازات الوهميّة”، في إشارة مبطّنة إلى آليّات تثبيت سعر الصرف وزيادة الاحتياطات التي يعتمدها المصرف. هذا النوع من الإشارات، كان دلالة على نوعيّة التحديات التي ستواجه الحكومة قريبًا، عند محاولة الانتقال إلى سياسة نقديّة أكثر استدامة، من دون التفريط بأولويّات السياسة الماليّة للحكومة لخدمة أهداف السياسة النقديّة.

جميع هذه التحديات، ستترافق مع تراكم استحقاقات لا تقل أهميّة: تعيينات الفئتين الأولى والثانية، بما فيها المواقع الحسّاسة على المستويين النقدي والمالي مثل حاكميّة مصرف لبنان وإدارة وزارة الماليّة ومفوضيّة الحكومة في المصرف المركزي. ومن هذه الاستحقاقات أيضًا استكمال العمل على خطّة إعادة الإعمار، التي لم تُبصر النور بعد، والتي ستحتاج بدورها إلى إصلاحات مرتبطة بالنظام المالي قبل استقبال المساعدات الخارجيّة. وأخيرًا، ثمّة سؤال كبير حول مستقبل الموازنة العامّة للدولة، التي أحالتها الحكومة السابقة إلى مجلس النوّاب من دون أن يتم البت بها بعد. وهذا الجانب من التحديات، المرتبط بماليّة الدولة، كان محور كلام النائب إبراهيم كنعان.

من الواضح أنّ الحكومة الجديدة دخلت المشهد وهي محاصرة بالملفّات من كل صوب. وطبيعة المرحلة التي رافقت تشكيل الحكومة، لم تسمح لها ببلورة رؤية متكاملة للمعالجات الاقتصاديّة والماليّة. وقد يكون من الإجحاف الحكم على أداء الحكومة في المرحلة المقبلة، انطلاقًا من مضمون البيان الوزاري وحده. ربما لهذا السبب، أعطى العديد من النوّاب الثقة للحكومة، حتّى بعد طرح التساؤلات حول بعض توجهاتها الاقتصادية الماليّة. لكن إشكاليّة الحكومة الأبرز اليوم، هي أنها لا تملك ترف الوقت، لصياغة هذه التوجهات.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةترمب: الرسوم الجمركية على المكسيك وكندا والصين في 4 مارس
المقالة القادمةانخفاض اسعار المحروقات