حماية صغار المودعين فقط خشبة خلاص للمصارف؟

0

«ليس هناك من خطة منصفة لكلّ المودعين، وسيكون هناك ضرر»، قالها صراحة سعادة الشامي، نائب رئيس حكومة تصريف الاعمال والمكلف متابعة ملف المفاوضات مع صندوق النقد. لكن ما لم يقله الشامي، أو غيره من المسؤولين علناً، إنه على الرغم من «تطهير» الودائع، وفصلها بين فئة بـ»سمنة» الدولار، وأخرى بـ»زيت» الليرة، و»شحم» (أو وهم؟) صندوق استرداد الودئع، لن يعود من قُبعها إلا الربع»… هذا إن أعيد!
تقسِّم «الاستراتيجية الوطنية للنهوض المالي – FSRS»، التي وضعتها حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الودائع إلى فئتين:

الاولى، تتضمن الودائع لغاية 100 ألف دولار. ستدفع بالدولار أو بالليرة على أساس سعر السوق.

الثانية، تتضمن الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، وستدفع من خلال صندوق استرداد الودائع الذي سيتمّ تمويله بأصول البنك المركزي والبنوك التجارية ومساهمة الدولة.

الخطة وصغار المودعين

الفئة الاولى التي تضم صغار المودعين، تمثل أهمية قصوى لضمان الاستقرارين الاجتماعي والاقتصادي في البلد. وقد حرصت كل الخطط التي وضعت منذ انفجار الازمة على حمايتها. حتى أن خطة «لازارد»، التي أقرتها حكومة الرئيس حسان دياب في 2020، ضمنت حماية الودائع بشكل مطلق لغاية 500 ألف دولار، واعدة آنذاك بالتعويض على 98% من المودعين. وعلى الرغم من «الدفوع الشكلية» من قبل الكثيرين عن الودائع التي تفوق قيمتها 100 ألف دولار، نظراً لأهميتها في عملية إعادة البناء المستقبلية واسترجاع الثقة بالنظام، فان البعض يعتبرها ودائع «كسولة وانتهازية»، لم ولن تحرك الاقتصاد. وأن لاصحابها مداخيل أخرى ممكن استعمالها، على عكس المودعين من الفئة الاولى.

طبعاً، لم تبصر «خطة التعافي – 2020» النور. بعد محاربتها واسقاطها من قبل «اللوبي» المصرفي. ثم تراجعت القدرة بالتعويض عن أكبر نسبة من المودعين الصغار بشكل فاضح، نتيجة:

1) تبخر جزء من احتياطيات العملات الاجنبية في مصرف لبنان على الدعم، ومن ثم صيرفة الى جانب تحويل 7 مليارات دولار الى البنوك.

2) الاستمرار بتهريب ودائع.

3) خسارة سندات «اليوروبوندز» لقيمتها.

4) العجز عن زيادة رساميل المصارف…

الموعودة، بين الودائع «المؤهلة» و»غير المؤهلة». فعدا عن ليلرة الودائع المحولة من الليرة إلى الدولار تلقائياً بعد تشرين الاول 2019، ستُدخل الخطة بحسب التوقعات الفئة الاولى، أي الودائع المؤهلة، في «بازار» حسابات البنك المركزي والمصارف التقنية الاستنسابية. كأن يحرم مثلاً كل من حرك حسابه، أو وضع فيه شيكات لولار، أو سحب على أساس التعميم 151، أو استفاد من التعميم 158 اي بعض الدولار النقدي… وهلم جرّا من اختراعات قد تصبح معها أغلبية الحسابات غير مؤهلة.

إنقاذ للمصارف أم تعقيد للحلول؟

إلا أنه لو سلمنا جدلاً بان هناك نية جدية لارجاع من كل حساب لغاية 100 ألف دولار، فان المبلغ المفروض إرجاعه سيكون بحدود 20 مليار دولار. وهنا يأتي الاختراع الثاني. فهذا المبلغ لن يعاد بالدولار النقدي، ولو تقسيطاً على سنوات. إنما مناصفة بين الليرة والدولار. أي 10 مليارات دولار تدفع بالعملة الاجنبية، و10 مليارات بالليرة اللبنانية على سعر صرف السوق، مبدئياً.

إذا وضعنا المبلغ الذي سيعاد بالليرة جانباً، كونه سيتأمن من طباعة الليرات في مصرف لبنان، فان العقدة تبقى في المبلغ المتبقي المقدر بـ 10 مليارات دولار. حيث من المتوقع أن يقسّم هذا المبلغ مناصفة بين البنك المركزي والمصارف التجارية. وبذلك تصبح حصة المصارف 5 مليارات دولار فقط. فهل تستطيع المصارف تأمين هذا المبلغ، والخروج من الازمة مثل «الشعرة من العجينة»؟

فواز: طروحات عاجزة

الخبير الاقتصادي حسن فواز يعتبر أن الحديث عن مثل هذه الحلول شيء، والقدرة على تنفيذها شيء آخر. فهناك عجز عن المضي قدماً بهذه الطروحات. فرقم 5 مليارات دولار، يشكل حوالى 40% من رساميل المصارف حالياً التي لا تزيد بأحسن حالاتها عن 13 مليار دولار. ولو سلمنا جدلا بتوفره، فان سحب هذا المبلغ من خزنات المصارف إلى خزنات المنازل يخسر القطاع المصرفي سيولة كبيرة ويعرضها لحالة جفاف مالي. أما بالنسبة للبنك المركزي فان كل المتبقي لديه من عملات أجنبية يتمثل في توظيفات المصارف الإلزامية التي لا تزيد عن 10 مليارات دولار. وهذا الرقم مرشح للانخفاض مع استمرار «المركزي» في التدخل بالسوق وتأمين التمويل بالنقد الصعب على منصة صيرفة (للتجار والموظفين وفئات أخرى) ولبعض حاجات الدولة. وعليه فان رقم 5 مليارات دولار المفروض إعادته نقداً يشكل 50% من مجمل العملات الاجنبية التي يمتلكها مصرف لبنان.

البديل لتحفيز الاقتصاد

«أخطر ما في خطة الحكومة هو افتراضها، أو بالاحرى بناؤها على حتمية سحب كل الودائع من المصارف، ولو على مراحل إلى أن تجف خزنات الاخيرة كلياً»، يقول فواز، «الامر الذي لا يعزز الاقتصاد النقدي بشكل كبير فحسب، إنما لا يقدم أي فائدة للاقتصاد». وعليه ستتفاقم الضغوط على سعر الصرف كون القسم الاكبر من المبالغ سيذهب إلى المضاربة أو يهرب إلى الخارج، ولن يدخل الاقتصاد المنتج والحقيقي. وبناء عليه، ستبقى كل الحلول مجتزأة، لا تأخذ في عين الاعتبار كيفية وإمكانية تطوير الاقتصاد الكلي. واستعادة الثقة».

«بدلاً من خطط تصفية الودائع يجب وضع خطط تحرك كل الدورة الاقتصادية»، من وجهة نظر فواز، «وذلك في حال أحسنت ادارتها واعطيت فرصة المشاركة في الاقتصاد من خلال مشاريع صناعية أو زارعية». خلاف ذلك نعود إلى اجترار النظام الريعي السابق الذي بني على الودائع غير المتحركة أو الكسولة. بدلاً من تشجيع المواطنين على صرف الاموال في قلب النظام الاقتصادي الحقيقي مما يساعد على تفعيل الدورة الاقتصادية.

رزق: إعادة التكوين مستحيلة

في الوقت الذي يرى فيه فواز أن الودائع يجب أن تبقى في النظام المصرفي السليم حتى لو توفرت للسحب، تعتبر مديرة قسم السياسات العامة في منظمة «كلنا إرادة» سيبيل رزق أن هناك ضرورة لاستيعاب أن «الخسارة وقعت ولا شيء يستطيع التعويض عنها. فأموال المودعين جرى صرفها وغالبيتها لم تعد موجودة. ويستحيل إعادة تكوينها كما يعتقد البعض».

رزق ترفض تقدير حجم الودائع التي يمكن إعادتها إلى صغار المودعين. وتعتبر أن ما يطرح من أرقام غير دقيق ولا هو واقعي. وذلك بسبب انعدام شفافية السلطات المعنية، ورفضها إطلاع الرأي العام على المعطيات الحقيقية وكيفية تطورها منذ اندلاع الازمة. وهي تقول: «حتى لو انطلقنا بان مجمل المبلغ للتعويض على صغار المودعين هو 20 مليار دولار، وانه سيعاد مناصفة بين الليرة والدولار، وسيتحمله بالتساوي مصرف لبنان مع المصارف التجارية، فهناك أكثر من إشكالية، وأهمها:

– عدم تحديد موجودات المصارف بشكل دقيق.

– في غياب التناسق بين مبدأ التعويض، ومبدأ اعادة الهيكلة كل مصرف على حدة، لا يوجد لغاية الآن تمييز بين المودعين في البنوك التي ستقفل وتلك التي ستستمر. بمعنى آخر، هل يحصل المودع في المصرف الذي يعلن افلاسه على نفس الحصة التي يحصل عليها مودع مماثل في المصرف الذي لن يقفل؟

العين على احتياطي الذهب

أكثر ما يثير الريبة هو تطرق نائب رئيس حكومة تصريف الاعمال سعادة الشامي من مركز الاتحاد العمالي العام، إلى موجودات لبنان من الذهب عند حديثه عن تعويض الودائع، إذ قال إن «احتياطي العملة الصعبة يبلغ 30 مليار دولار في أفضل الأحوال». وهذا الرقم يقسم بحسب التحليل على الشكل التالي: بين 8 إلى 10 مليارات دولار توظيفات إلزامية، 5 مليارات دولار سندات اليوروبوندز المحمولة من المركزي (قيمتها حالياً 350 مليوناً فقط)، حوالى 900 مليون دولار بقيت من حقوق السحب الخاصة، وبين 16 و17 مليار دولار قيمة الذهب. إلا أن المشكلة بحسب رزق هي أنه «من حيث المبدأ، من غير المفروض تسييل احتياطي الذهب، ولكن يتم احتسابه كجزء من الاصول المتبقية والتي تستخدم لردم جزء من الفجوة المالية. على أن يتم ابقاؤه في ميزانية مصرف لبنان مقابل رفع نسبة التعويض للمودعين. ولكن ذلك لا يعني أن المودعين سيستردون أموالهم فورا».

خطورة الليلرة

إذا كنا لغاية اللحظة نجهل ما يمكن أن يحصل على صعيد خطط السلطة الاقتصادية والنقدية، فاننا نعلم جيداً ما لن يحصل»، تقول رزق، وهو «إرجاع الودائع بالدولار كاملة لصغار المودعين». فالذي سيحصل هو تسديد جزء كبير من ودائع الدولار بالليرة. مع العلم أننا لن نعرف بعد سعر الصرف الذي سيعتمد في هذه العملية. والاكيد أنه مع كل يوم يمر تتقلص الموجودات وتزيد المطلوبات وتكبر الفجوة النقدية أكثر، وتتراجع القدرة على التعويض على صغار المودعين». ومما سيزيد الطين بلة هي السياسة الفعلية القائمة منذ إندلاع الأزمة بانتهاج سياسة الليلرة. فـ»هذه السياسة التي تؤدي إلى تعظيم الكتلة النقدية بالليرة تخلق التضخم وتشكل ضريبة على كل المواطنين»، بحسب رزق. «وكل ما نعطيه باليمنى نأخذه أضعافاً مضاعفة باليسرى».

ما هو بديل السحب؟

برأي حسن فواز فان عودة الثقة تساعد على انتفاء الحاجة لخروج كل هذه الاموال من المصارف. وتسمح في المقابل باعادة توظيف المتوفر منها في المشاريع الزراعية والصناعية والانتاجية. الامر الذي يحرك الدورة الاقتصادية ويؤمن فرص عمل للشباب ويسمح بدفع أجورهم بالدولار النقدي واعادة صرفها بالسوق.

المحاسبة ترفع منسوب ردّ الودائع؟

سيبيل رزق ترى أن المطالبة بحماية الودائع كاملة هو فقط تمويه سياسي يؤخر أي حل، ومرور الوقت يزيد خسائر المودعين. الاجدى الانتقال إلى الأهم، وهو محاسبة كل من أنزل اللبنانيين وغير اللبنانيين من المودعين بهذه الحفرة العميقة. ذلك أن المحاسبة لا تتيح إمكانية استرجاع جزء من الاموال المهربة والمسروقة والمنهوبة فحسب، إنما أيضا الاقتصاص من المسببين، وضمان عدم تحكمهم بأرزاق المواطنين مرة ثانية كما يحصل اليوم».

«المهم إذا استيعاب الخسارة»، تشدد رزق، «ليس من أجل التوقف عن بيع الاوهام فقط، إنما لتحويل النقاش إلى المكان الصحيح، وحث المسؤولين على المبادرة وتنفيذ الاصلاحات». فالمسؤولون غير المستعجلين يتجاهلون الكلفة الكبيرة للوقت على الاقتصاد وبناء المستقبل. وهي الكلفة التي تفوق بأضعاف الخسائر المحققة لغاية اليوم.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here