خلافات السياسة والتجارة تضع بريكس في مهب الريح

0

ربما ينجلي غبار جائحة كورونا وتداعياتها عن الكثير من المتغيرات في مسارات الاقتصاد العالمي والتجارة والعلاقات الدولية، التي ستمثل تحدياً كبيراً للمنظومات والتجمعات الدولية، وليس من المستبعد أن تفشل بعضها في العبور إلى مرحلة ما بعد كورونا، حسب توقعات محللين.

من بين المنظومات الهشة التي نشأت في بداية العقد الثاني من القرن الجاري مجموعة بريكس، التي أسست على هيئة تحالف بين الدول الناشئة الكبرى التي تبحث عن دور في النظام العالمي الجديد بعدما ضربت أزمة المال العالمية في 2008 الاقتصادات الرأسمالية الكبرى في أميركا وأوروبا واليابان. وربما تصبح بريكس أولى ضحايا “الحرب الباردة” الاقتصادية بين واشنطن وبكين خلال السنوات المقبلة، إذ أن واشنطن ستخير الدول بين خيار “مع أو ضد” في حربها لعزل الصين عن المشهد الاقتصادي العالمي.

وتعد مجموعة بريكس التي تضم البرازيل والصين وروسيا والهند وجنوب أفريقيا، من المجموعات الاقتصادية التي لا تجمع بينها أيديولوجية أو نظام سياسي موحد أو حتى روابط قوية على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، إذ أن الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا دول ديمقراطية ورأسمالية، بينما تعتمد الصين النظام الاقتصادي الموجه في إدارة الاقتصاد ونظام الحزب الواحد الديكتاتوري على الصعيد السياسي.

ولدى روسيا نظام اقتصادي مختلط يجمع بين اقتصاد السوق و”الإدارة المركزية”. ويشكل الناتج المحلي الإجمالي للدول الخمس نحو 21 تريليون دولار، وتشكل مساحة هذه الدول ربع مساحة اليابسة، وعدد سكانها يقارب 40% من سكان العالم.

ووفق خبراء، فإن من أهم العوامل التي قد تسرّع تفكك بريكس اشتعال الحرب الحدودية بين أكبر مؤسسيها، وهما الهند والصين. كما يشير هؤلاء إلى أن المصالح التجارية والاستثمارية التي تربط العديد من أعضائها مع الولايات المتحدة باتت أكبر من تلك التي مع الصين التي تعد مركز المجموعة. من جانبها، تستغل واشنطن الحرب الحدودية بين بكين ونيودلهي وتوظيفها لكسب ود الهند، وبالتالي محاصرة التمدد التجاري والاقتصادي للتنين الصيني في آسيا.
ولاحظ خبراء أن الهند نشطت خلال الشهور الأخيرة في حظر الشركات الصينية بعد الحرب الحدودية، خاصة شركات التقنية الصينية، كما أجازت قوانين جديدة خصصت لحظر الاستثمارات الصينية في الشركات الهندية. وفي المقابل، تعد الهند مناطق تجارة حرة لاستقبال شركات التقنية الأميركية التي تعد للرحيل من البر الصيني.
ومن بين عوامل التفكك الأخرى داخل مجموعة بريكس، الشراكة التجارية الجارية بين نيودلهي وطوكيو، العدو التقليدي للصين. وهو تحالف ترغب فيه الشركات ورجال الأعمال والطبقة الثرية في الهند، لأنه سيعني تدفق الاستثمارات والتقنية اليابانية للهند. وبالتالي، فإن الهند تجد مصالحها التجارية والمالية والتقنية في المعسكر الأميركي وحلفائه في آسيا.

وتسعى الحكومة اليابانية إلى نقل صناعاتها خارج الصين، وتفضل الشركات اليابانية السوق الهندي بسبب ما يملكه من العمالة المدربة تقنياً وكذلك كسوق استهلاكي واسع يعوض السوق الصيني في حال تدهور العلاقات التجارية مع بكين في المستقبل.
وفي هذا الشأن، يشير مسح أجراه بنك اليابان للتعاون الدولي إلى أن الشركات اليابانية التي لديها مصانع في الخارج تفضل الهند كوجهة بديلة للصين على المدى الطويل. ويلاحظ أن جائحة كورونا أربكت الصناعة اليابانية التي تعتمد في مكوناتها على السوق الصيني الذي يوفر كلفاً رخيصة للإنتاج وسوقاً ضخمة للاستهلاك. وقد رصدت الحكومة اليابانية لخطة تخارج شركاتها من الصين خلال الشهور الماضية تمويلاً يقدر بـ 2.2 مليار دولار مع حوافز أخرى.
على صعيد البرازيل، تشير التغييرات السياسية الأخيرة التي صعد فيها رئيس يميني متطرف قريب في تفكيره من دونالد ترامب، هو جايير بولسونارو، وحاجة البرازيل المالية للولايات المتحدة، إذ أنها تعاني من أزمة اقتصادية أدت إلى انكماش كبير في الاقتصاد وتراجع في سعر صرف الريال وحاجتها للتقنية الأميركية لاستخراج النفط في المياه العميقة والأسواق الأميركية يجعلها أقرب لواشنطن من بكين.
ويرجح خبراء أن اقتصاد البرازيل ربما انكمش بنسبة 9.4 بالمائة في الربع الثاني من العام تحت تأثير زيادة تفشي فيروس كورونا في البلاد. كما سجلت البرازيل أكثر من 3.6 ملايين إصابة بالفيروس منذ بداية الجائحة، وهو أكبر انتشار لفيروس كورونا في العالم خارج الولايات المتحدة. وبهذه التداعيات الاقتصادية الخطرة، فإن البرازيل ستكون بحاجة إلى العلاقات الأميركية أكثر من علاقاتها مع الصين. ويذكر ان الريال البرازيلي خسر أكثر من 20% من قيمته خلال العام الجاري. وهو ما يعني أن البرازيل ستحتاج إلى سيولة دولارية من مصرف الاحتياط الفيدرالي الأميركي، عبر ما يطلق عليه “خطوط الائتمان لتبادل العملات”.

على الصعيد التجاري، تعد الولايات المتحدة من أكبر شركاء التجارة للبرازيل، إذ يقدر حجم التجارة بينهما بنحو 105 مليارات دولار في عام 2018، حسب بيانات التجارة الأميركية. كما يميل ميزان التجارة لصالح الولايات المتحدة، وهو ما تحبذه الولايات المتحدة. في المقابل، فإن حجم التجارة البرازيلية مع الصين لا يتعدى 100 مليار دولار. وتعد البرازيل أكبر اقتصاد في أميركا الجنوبية، إذ يقدر حجم الناتج المحلي البرازيلي بنحو 1.9 تريليون دولار، كما يقدر عدد سكانها بنحو 205 ملايين نسمة. وبالتالي، يرى اقتصاديون أن واشنطن ستركز على كسبها في حربها الباردة مع الصين وبناء النظام العالمي الجديد.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here