عدّاد الضحايا والدمار لا يهدأ. ومن الجنوب إلى بيروت، يطبع العدوّ الإسرائيلي بَصمَته الهمجية على ركام المنازل والبنية التحتية، إذ يستأنف تدميرها بجولة ثانية من الحرب، ليزيد بذلك فاتورة إعادة الإعمار، مادياً ومعنوياً. فالمنازل ليست مجرّد حجارة، بل خزّان ذكريات أيضاً، وإعادة إعمارها ليس سهلاً، لا سيّما وأنّ أفق وقف الحرب الراهنة، وضمان عدم تكرارها، ليسا واضحين. ومع استمرار الحرب، يواصل لبنان ضمنياً، تسجيل أكلاف لا يدري مَن سيدفعها ومتى. على أنّ الحصيلة النهائية لقيمة الخسائر بعد وقف الحرب، ستضاف إلى خسائر الحرب الماضية التي كانت الحكومة تحاول جذب الأموال لتغطيتها. فهل يتبنّى المجتمع الدولي تمويل إعادة الإعمار بفاتورة مادية كبيرة وصورة سياسية غير واضحة؟
إعادة إعمار لم يكتمل
يأمل الجنوبيون المشتّتون في مختلف المناطق اللبنانية عودة سريعة إلى قراهم، بغضّ النظر عمّا ستكشفه العودة من دمار وخراب. ومنذ حرب الإسناد في 8 تشرين الأول 2023، مروراً بتوسّع الحرب في 23 أيلول 2024، وصولاً إلى الحرب الراهنة، يؤكّد البعض على العودة ولو إلى خيمة على أنقاض الدمار. لكنّ ذلك المطلب المعنوي، لا يلغي ضرورة مسح الأضرار وإزالة الركام وبدء عملية إعادة الإعمار.
بين نهاية 2025 وبداية 2026، كانت أعمال إزالة الركام الذي خلّفته النسخة الأولى من الحرب، تتراوح بين إنجاز 70 بالمئة من الأعمال في قضاءيّ صور والنبطية، وبين الحركة الخجولة في قضاء مرجعيون، بسبب الحجم الهائل للدمار، في حين لم تشهد بعض القرى أي أعمال بسبب وجود العدوّ فيها، أو منعه أحداً من الاقتراب ، ومنها قرى مركبا والعديسة وكفركلا والجوار. وفي الوقت نفسه، كان مسار إعادة إعمار البنى التحتية يتقدّم. إذ أقرّ مجلس النواب في 18 كانون الأول 2025 اتفاقية القرض الموقّعة مع البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لتمويل إعمار البنى التحتية في المناطق المتضرّرة. ويضاف إلى هذا مبلغ 75 مليون يورو مقدّمة من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية. وكان من المفترض أن تبدأ الأعمال في آذار 2026، لتطال البدء بمشاريع الطرقات، المدارس، خزّانات المياه، شبكات المياه، شبكات الصرف الصحي، الكهرباء والاتصالات.
انهار كل ما كان مخطّطاً له مع إطلاق حزب الله 6 صواريخ ضد إسرائيل ثأراً لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وتفعيل إسرائيل آلة التدمير الخاصة بها ضد لبنان، لتنطلق بذلك حرب بخسائر مفتوحة في البشر والحجر. ومع أنّ من المبكر بعد، الحديث عن ملف مسح الأضرار وإعادة الإعمار، إلاّ أنّ الأجهزة الرسمية في الدولة، تتابع الملف وفق الظروف والإمكانيات المتاحة. وتقول مصادر متابعة للملف، إنّه “لا يمكن معرفة حجم الأضرار ما دامت الحرب مستمرة، لكن وفد لبنان المشارك في اجتماعات الربيع في واشنطن، سيبحث مع مسؤولين في المؤسسات المانحة تأمين الدعم المالي لإعادة الإعمار والحاجات الأخرى، خصوصاً الصحية والاجتماعية”.
وفي حديث لـِ “المدن”، تلفت المصادر النظر إلى أنّ “الكلفة المتوقّعة للأضرار في هذه الحرب، ستفوق تلك التي سجّلت في الحرب الماضية، خصوصاً بسبب تدمير بنى تحتية كبيرة كالجسور والطرقات”. وتتخوّف المصادر من أنّ “لا تكون عملية إعادة الإعمار سريعة، لأنّ المموّلين لن يدفعوا أموالهم في ظلّ وضع ضبابي. فموعد انتهاء الحرب غير معروف، وفي حال وقف إطلاق النار، قد يكون وقفاً هشّاً ومؤقّتاً”. وتعود المصادر بالذاكرة إلى أنَّ “عدم وجود إقبال كبير على ضخّ الأموال لإعادة الإعمار بعد وقف إطلاق النار في الحرب الماضية، ربّما كان سببه التقديرات المرتفعة لدى المانحين بأنّ الحرب قد تتجدّد”.
المسح عبر الخرائط
عملية المسح وتسجيل الأضرار في مرحلة وقف إطلاق النار لم تحظَ برضى كامل من قِبَل المتضرّرين، إذ إنّ التقييم جاء بأقلّ من الحجم الحقيقي للأضرار. وهذا ينسحب على ما سجّله المهندسون المعتمدون من حزب الله. وبالتوازي، ما دفعه الحزب في بداية فترة وقف إطلاق النار لتمويل عمليات الترميم لم يكن كافياً، ليزيد الموقف سوءاً مع إعلان وقف صرف الشيكات الصادرة عن مؤسسة القرض الحسن، وتالياً وقف دفع التعويضات.
وعلى مستوى الدولة، ما جرى تأمينه من أموال، استُعمل لترميم نحو 200 مدرسة رسمية ونحو 155 مبنى للبلديات والمستشفيات الحكومية، ومنها بنت جبيل، تبنين ومرجعيون، فضلاً عن ترميم سرايا النبطية، بنت جبيل، تبنين وجويّا. على أنّ التمويل القليل، حال دون دفع تعويضات للناس.
وفي الحرب الراهنة، يؤكّد رئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر أنّ “تسجيل الأضرار غير ممكن بسبب استمرار الحرب، خصوصاً أنّ الأرقام تتغيّر في كل لحظة”. ويلفت حيدر النظر في حديث لـ”المدن”، إلى أنّ المجلس يمهّد لعملية مسح الأضرار “عبر تتبّع الخرائط الجوية وتحديد المباني التي كانت موجودة وهدمت. كما يجري الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الخرائط وتحديد حجم الأضرار، ويتم ذلك بدقة تصل إلى نحو 40 بالمئة”. ويقول حيدر إنّ المجلس ينتظر انتهاء الحرب ليقوم بعملية المسح “بصورة دقيقة على أرض الواقع”.
الميدان غير آمن اليوم لإجراء مسح دقيق للأضرار. ومع ذلك، تذهب التساؤلات الأبرز ناحية التمويل، وتطال موعده وحجمه والجهات التي ستؤمِّنه. وحسم ذلك لا ينفصل عن مسار الحرب الأوسع التي تتخطّى لبنان وتذهب باتجاه إيران، وما يتّصل بها من عناوين سياسية وقرارات ستُتَّخَذ تباعاً، وصولاً إلى قرار وقف الحرب في لبنان والمساعدة في تمويل إعادة الإعمار بصورة كافية. والمقلق في هذا الشأن، هو المجال الجغرافي الذي ستشمله عملية إعادة الإعمار، فهل ستشمل العملية قرى الحافة الأمامية، أم أنّ العدوّ سيعرقل ذلك؟



