دولار ما بعد “سلامة”: الانفلات والضبط رهن صفقة الرئاسة

0

بات ارتفاع سعر صرف الدولار أمراً بديهياً، وانخفاضه مُستَغرَباً ويحضُّ على التساؤل عمّا سيحصل بعد التراجع والهدوء. الارتياب على هذا النحو مشروعٌ، وتزداد معدّلاته مع تحوُّل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى إسم مطلوب دولياً، وغموض خطوات السلطة السياسية لمَلء الفراغ الذي سيخلِّفه انتهاء ولاية سلامة بعد نحو شهرين. ويتساءل اللبنانيون عمّا إذا كان سعر صرف الليرة سيهوي أكثر، أم أن رحيل الحاكم سيُحسِّن قيمتها ويُخفِّض سعر الدولار؟.

الحماية بخفض الدولار

حاول سلامة نشر بعض الطمأنينة في السوق بضخ الدولارات عبر منصة صيرفة التي استعملها أداةً للتحكُّم بمسار الدولار. وزاد الحاكم وتيرة الضخ مع ازدياد الضغط القضائي عليه في الخارج، على عكس ما كان يفعل عادةً لإجبار السلطة السياسية والقضاء والمصارف في الداخل، على تخفيف الضغط عنه، وكأنّه يقول لهم: إذا اقتربتم منّي، سأُشعِل السوق. لكن هذه المعادلة لا تنفع مع الخارج.

أراد سلامة بالدولارات التي يتراوح حجم تداولها حالياً على منصة صيرفة بين 100 مليون و140 مليون دولار، إثبات قدرته على ضبط السوق. فحافَظَ على الدولار شكلياً عند محيط الـ94000 ليرة، لكن قيمته الفعلية لدى التجّار لا تقلّ عن الـ100 ألف ليرة، ويظهر ذلك من خلال أسعار السلع والخدمات. وبالتالي، فشل الحاكم في تلميع صورته، فلم تعد ألاعيبه تنطلي على المجتمع الدولي الذي يبحث كيفية إيجاد مخرج مناسب للأزمة في لبنان على وقع المتغيِّرات السياسية في المنطقة والعالم.

وعليه، فإن درع الحماية الذي حَمَلَه سلامة لم يعد مجدياً. وهذا يعني أن الدولار اقترب من الانفلات. وإذا استمر سلامة في ضبطه للدولار حتى انتهاء ولايته، فسيستنزف المزيد من الدولارات، وسيحتاج مصرف لبنان بعدها ليرات إضافية ليُعيد سحب ما يُضَخ من الدولارات، وذلك يستوجب الطباعة، أي المزيد من الخسارة في قيمة العملة المحلية ومزيداً من ارتفاع نسبة التضخُّم.

مرحلة ما بعد سلامة

على السلطة السياسية والحاكم الجديد أو نائب الحاكم الحالي، إذا ما رضيَ تحمُّل ثقل المرحلة، إيجاد صيغة لتوفير الدولارات في السوق، عبر إجراء الإصلاحات التي ستكون بدايتها مكلفة وسترفع سعر الدولار. لكن الشفافية والمحاسبة وتشكيل حكومة وانتخاب رئيس للجمهورية يجتمع العرب والغرب على اسمه، يُكسِب لبنان الثقة ويحفِّز على ضخ الدولارات. وهذه العملية لا تلغي ارتفاع الدولار في البداية “إلى نحو 100 ألف ليرة، لكنها ستدفعه مع الوقت إلى التراجع لنحو 85 ألف ليرة”، وفق ما يراه الخبير الاقتصادي روي بدارو، الذي يذهب خلال حديث لـ”المدن”، بكثير من الإيجابية والتفاؤل نحو ترجيحه انتخاب رئيس للجمهورية في شهر حزيران المقبل. وبالتوازي، يضع بدارو أربعة شروط تمهِّد الطريق للخروج من الأزمة وبدء خفض سعر صرف الدولار، وهي “انتخاب رئيس للجمهورية يؤيّده العرب والغرب ولا يقوم بمواجهة حزب الله. تعيين رئيس للحكومة يكون متّفقاً مع رئيس الجمهورية. إعطاء مجلس الوزراء قدرة تشريعية. وتعيين حاكم نزيه لمصرف لبنان، يعلن استعداده لفتح خزائن المصرف وإخراج خبايا رياض سلامة داخلها، فهناك الكثير ممّا يجب إخراجه”. وعندها يمكن الانطلاق بمرحلة ما بعد رياض سلامة. ويتوقّع بدارو في تلك المرحلة “ارتفاع نسبة النمو إلى ما فوق الـ10 بالمئة”.

وفي المرحلة الجديدة هناك ضرورة لإلغاء منصّة صيرفة والتوجّه نحو توحيد سعر الدولار في السوق بطريقة فعلية. وسيرحّب البنك الدولي بهذا الإلغاء عند حصوله، إذ رأى البنك يوم الثلاثاء الماضي، أن “منصة صيرفة تمثل أداة نقدية غير مؤاتية أدّت إلى ارتفاعات قصيرة الأجل في سعر صرف الليرة على حساب الاحتياطي والوضع المالي لمصرف لبنان. وتحولت هذه المنصة منذ إنشائها إلى آلية لتحقيق أرباح بلغت حوالى 2.5 مليار دولار”.

أوراق كثيرة يُعاد خلطها في وقت قصير. وضبط سعر صرف الدولار في السوق بهذه الطريقة وهذا الحزم، يعني أن انفلاتاً كبيراً آتٍ إذا لم تبادر السلطة السياسية ومصرف لبنان لإيجاد مخارج مناسبة. وتوقّعات انخفاض الدولار مشروطة بإصلاحات من غير المؤكَّد إنجازها خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي يدعم استمرار ارتفاع الدولار.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here