غالبًا ما يُوصَف لبنان بأنه بلدٌ في حالة انهيار مالي شامل، واقتصاد منهار لم يعد يملك موارد تُذكر، ولا يملك أي مسارٍ واقعي نحو التعافي. إلا أن حقيقة واحدة ما زالت تقف في وجه هذه الرواية وتُربكها: لا يزال لبنان يمتلك واحدًا من أعلى احتياطي ذهب في العالم مقارنة بحجم اقتصاده.
استنادا إلى سعر الذهب الحالي الذي يراوح حول 4850 دولارا للأونصة، تبلغ قيمة الاحتياطي الرسمي للبنان، والمقدّر بحوالى 286.8 طنًا، نحو 45.6 مليار دولار. وباعتماد ناتج محلي إجمالي اسمي للبنان بقيمة 35 مليار دولار، يعني ذلك أن الذهب وحده يعادل تقريبًا 130 % من الناتج المحلي الإجمالي.
بعبارة أخرى: لبنان ليس “فقيرًا بالأصول”… بل هو “فقير بالإدارة”.
تصنيف يضع لبنان في فئةٍ منفصلة ومميزة
لفهم موقع لبنان بصورة أدق، من المفيد وضعه ضمن مقارنة عالمية.
في ما يلي ترتيب مُبسّط لاحتياطيات الذهب كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، استنادًا إلى الاحتياطيات الرسمية والناتج المحلي الإسمي. ولأجل المقارنة، تمّ تثبيت ناتج لبنان عند 35 مليار دولار:
احتياطي الذهب / الناتج المحلي الإجمالي (من الأعلى إلى الأدنى)
1) لبنان – 130 %
2) ليبيا – 49 %
3) أوزبكستان – 38 %
4) فنزويلا – 33 %
5) كازاخستان – 16 %
6) روسيا – 15 %
7) الجزائر – 10 %
8) قطر – 8 %
9) تركيا – 7 %
10) مصر – 5 %
11) جنوب أفريقيا – 5 %
12) السعودية – 4 %
13) الهند – 3 %
14) باكستان – 3 %
15) الإمارات – 2 %
16) الصين – حوالى 2 %
17) الأرجنتين – حوالى 1.5 %
18) البرازيل – حوالى 1 %
19) المكسيك – حوالى 1 %
20) إندونيسيا – أقل من 1 %
يُظهر هذا التصنيف حقيقة لافتة: نسبة لبنان ليست مرتفعة فقط… بل متطرفة بالمقاييس العالمية. حتى الدول المعروفة بثقلها الذهبي مثل روسيا وتركيا وكازاخستان تبقى بعيدة جدًا عن لبنان عندما نُقارن الذهب بحجم الاقتصاد.
كيف يقارن لبنان مع مجموعات الدول الأخرى؟
لتوضيح حجم الاستثناء اللبناني، من المفيد مقارنة المتوسطات ضمن ثلاث مجموعات رئيسية:
1) الأسواق المتقدمة (متوسط):
غالبًا ما تحتفظ الاقتصادات المتقدمة بذهبٍ يعادل نسبًا أحادية الرقم من ناتجها المحلي، ويعود ذلك في معظم الأحيان إلى تراكمات تاريخية في الاحتياطيات أكثر من كونه سياسة اقتصادية حديثة.
المتوسط التقديري: نحو 6 % من الناتج المحلي الإجمالي (موزونًا بحسب الناتج، وأعلى على أساس المتوسط البسيط).
2) الأسواق الناشئة الكبرى (متوسط):
تمتلك الاقتصادات الناشئة الكبرى ذهبًا كبيرًا بالقيمة المطلقة، إلا أن أحجام نواتجها الضخمة تجعل النسبة إلى الناتج محدودة نسبيًا.
المتوسط التقديري: نحو 3 % من الناتج المحلي الإجمالي (موزونًا بحسب الناتج).
3) الدول ذات التصنيف B وما دون (متوسط):
حتى الدول ذات التصنيف الائتماني المتدني (B / B- أو أدنى)، نادرًا ما تظهر نسبًا مرتفعة جدًا للذهب إلى الناتج المحلي.
المتوسط التقديري: نحو 2.5 % – 3 % من الناتج المحلي الإجمالي (موزونًا بحسب الناتج).
هذه المقارنة تُثبت أن لبنان ليس استثناءً ضمن فئة معينة فحسب، بل هو استثناء عالمي شبه منفرد.
المشكلة الحقيقية ليست الذهب… بل الحوكمة
إذا كان لبنان يمتلك هذا الحجم من القيمة، فلماذا لم ينعكس ذلك استقرارًا ماليًا أو خطة تعافٍ جدية ومقنعة؟
الجواب لا يتعلق بحجم الأصل بحد ذاته، بل بغياب إطارٍ موثوق قادر على استخدامه أو توظيفه. فالذهب محكوم بقيود قانونية وسياسية، كما أن أي محاولة لاستخدامه كحل سريع اصطدمت بانعدام الثقة الشعبية وبشلل القرار السياسي.
كما أن الذهب لا يمكنه تعويض غياب:
• الانضباط المالي.
• الإصلاحات المطلوبة في الدولة والقطاع المالي.
• إعادة هيكلة المصارف بشكل شفاف.
• الرقابة والمحاسبة.
• خطة تعافٍ وطنية واضحة يقرّها البرلمان (علمًا أن البرلمان كان سببًا رئيسيًا في تعطيل خطة “لازارد” عام 2020 وإجهاض خطة الوزير سعادة الشامي قبل تقديمها أصلاً).
ذهب لبنان: أصل استراتيجي ولا خطة تصفية
الخطأ الأكبر هو اختزال النقاش في خيارين: إما بيع الذهب أو عدم لمسه إطلاقًا. هذا الطرح الثنائي الضيق مضيعة للوقت وبسيط، ويمنع التفكير ببدائل ذكية.
بدلاً من ذلك، يحتاج لبنان إلى استكشاف ما إذا كان يمكن استخدام الذهب بذكاء كجزء من حزمة إصلاحات أوسع:
• لتعزيز الثقة.
• لإطلاق تعافٍ اقتصادي كبير.
• لاستقطاب استثمارات مباشرة كبرى.
• لخفض التصوّر السلبي للمخاطر السيادية.
• لتأمين مرساة لمُنتجات/أدوات مالية لا يمكن أن تتداول من دون مصداقية.
يمكن تحقيق ذلك من دون بيع الذهب، عبر استخدامه كضمانٍ محدود أو كتعزيز ائتماني لدعم أداة تعافٍ، أو عبر وضع جزءٍ منه في صندوق/أمانة ذهب مُحصَّنة قانونيًا مع رقابة مستقلة، أو عبر هيكلة أوراق مالية مدعومة بأصول مرتبطة بأصول مصرف لبنان حيث يعمل الذهب كمرساة للمصداقية لا كمصدرٍ للإنفاق.
لكن أي حلٍ من هذا النوع يجب أن يكون مُدمجًا ضمن إطار حوكمة شامل يضمن الشفافية والرقابة والعدالة، خصوصًا في ما يتعلق بخسائر المودعين وتخصيص الأصول.
الخلاصة
يمتلك لبنان مفارقة مالية نادرة: اقتصاد منهار ووضع مالي معقد ومؤسسات ضعيفة… لكن لديه احتياطي ذهب يتجاوز قيمة الناتج السنوي للبلاد. الأزمة ليست نقصًا في الموارد، بل فشل في إدارتها.
ومن بين الخيارات التي يمكن بحثها أيضاً، ربط أي استخدام منظّم للذهب (ضمن إطار حوكمة شفاف) ببرنامجٍ لإعادة جزء من ودائع صغار ومتوسطي المودعين حتى سقف مليون دولار للمودع الواحد، على أن يُشترط على المستفيدين توجيه نسبة معتبرة من المبالغ المُستردة إلى استثمارات منتِجة داخل لبنان يقودها القطاع الخاص،مثل مشاريع توليد الكهرباء والطاقة، بما يوسّع الفائدة لتشمل الاقتصاد اللبناني ككل، وليس المودعين وحدهم. ووفق هذا السقف، يمكن أن يعني ذلك عملياً سداد حقوق ما يقارب 99% من المودعين (من حيث العدد).
لكن أي حلٍ من هذا النوع يجب أن يكون مُدمجاً ضمن إطار حوكمة شامل يضمن الشفافية والرقابة والعدالة، خصوصاً في ما يتعلق بخسائر المودعين وتخصيص الأصول.
الذهب وحده لن ينقذ لبنان. لكن من دون “استراتيجية ذهبية” موثوقة ضمن مشروع إصلاح متكامل، سيبقى لبنان عاجزًا عن استعادة الثقة داخليًا وخارجيًا، وعن إعادة الاندماج في الأسواق الدولية.



