رفع تعرفة الكهرباء… دونه الهدر وسوء الجباية

0

أدخلت «الكهرباء» في العام 2009 في «متاهة» تأمين التغذية 24/24، ولم تجد لغاية اللحظة الطريق الصحيح للوصول إلى نقطة النهاية. مع كل خطة كانت الكهرباء تأخذ المسار نفسه، المزيّن مدخله بأقواس الصفقات والمصالح، فلا تلبث أن تصل إلى «حائط» تراجع التغذية وارتفاع النفقات. هكذا انخفضت التغذية بالتيار الكهربائي من حدود 22 ساعة قبل العام 2009 إلى (صفر) كهرباء اليوم في معظم المناطق اللبنانية. مقابل هذا التدهور الدراماتيكي تحاول وزارة الطاقة الايحاء من خلال خطة الطوارئ الاخيرة أن ما ينقص puzzle «بازل» الكهرباء هو «قطعة» التسعيرة فقط. وبايجاد هذه القطعة، يؤمَّن الفيول ويصبح بالامكان توفير الكهرباء بين 8 و10 ساعات يومياً على امتداد الوطن، بسعر يقل عن الثلثين عن الاسعار التي تتقاضاها المولدات الخاصة. بيد أن هذه التسعيرة الحق، قد يراد بها باطل. إذ ما لا تقوله خطة وزارة الطاقة أن استكمال «البازل» لن ينتج عنه سوى «لوحة» مشوهة. فمشكلة الكهرباء لا ترتبط بالقدرة على تأمين الفيول فحسب، بل بارتفاع نسبة الهدر، وسوء الإدارة، وضعف الجباية، وكثرة التلزيمات والصفقات. ولعل أخطر ما يحضرنا هو صفقات بناء المعامل، ولا سيما في سلعاتا، التي قد لا يعود لها حاجة بعد سنوات قليلة، مع التوسع الهائل في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية الفردية.

غير قابل للتطبيق

يتركز البحث حالياً على كيفية تمويل شراء الفيول للتعويض عن انتهاء مفعول صفقة النفط العراقي في نهاية أيلول. خصوصاً مع عدم خروج «الدخان الأبيض» من «مدخنة» الكونغرس الاميركي، لتجاوز قانون «قيصر» وتسهيل وصول الغاز من مصر والكهرباء من الاردن عبر سوريا. والحل الوحيد هو برفع التعرفة على الكيلواط ساعة من حدود 135 ليرة إلى 27 سنتاً على سعر صيرفة (يكون مثلا 6723 ليرة بحسب سعر المنصة المحدد بـ 24900 ليرة ليوم الجمعة الواقع فيه 17 حزيران 2022). على أن تعطى الشرائح الفقيرة حسومات على الفاتورة، كأن يحتسب سعر الكيلواط للشطر الذي يقل عن 100 كيلواط بـ 10 سنتات وليس 27 سنتاً. رفع التعرفة يفترض أن يؤمن مردوداً للكهرباء لا يقل عن 3000 مليار ليرة شهرياً، تعمد إلى تحويلها بواسطة مصرف لبنان إلى 130 مليون دولار على سعر منصة صيرفة. وبهذه الطريقة تؤمن ما يكفي من فيول لتشغيل المعامل وتوليد حوالى 1800 ميغاواط توفر الكهرباء بين 8 و10 ساعات يومياً. إلا أن المشكلة تتجاوز التذرّع «الاخلاقي» لوزارة الطاقة بعدم جواز رفع الاسعار قبل زيادة ساعات التغذية، لتصل إلى المنطق وعلم الرياضيات. ففي ظل انعدام التغذية بشكل شبه كلي في معظم المناطق اللبنانية، وتراجع الجباية نتيجة ارتفاع كلفة النقل على جباة الاكراء والشركات المقدمة الخدمات المشغلة لهم، لن تستطيع الكهرباء تأمين المبلغ المطلوب لشهر واحد (3000 مليار ليرة) في غضون سنة أو أكثر، حتى لو رفعت التعرفة. وعليه لا يبقى من حل إلا طلب سلفة خزينة بالليرة اللبنانية من وزارة المالية من أجل فتح الاعتماد في مصرف لبنان وتأمين استمرارية وصول الشحنات. «ما يعني أنه عدنا إلى المنطق القديم الجديد نفسه القائم على السلفات التي نعرف كيف تصرف، ولا أحد يعلم متى وكيف تردّ»، يقول المدير العام السابق للاستثمار والصيانة في وزارة الطاقة غسان بيضون. «وإذا تجاوزنا بالتحليل واقع خزينة الدولة الفارغة، واستحالة تأمين المبلغ الضخم البالغ 38844 مليار ليرة (1560 مليون دولار) سنوياً، والذي يعادل مجموع الايرادات الواردة في موازنة 2022 (39 الف مليار ليرة)، فان نصف هذا الملبغ سيضيع نتجية وجود هدر يفوق 50 في المئة وقد يصل إلى 80 في المئة»، بحسب بيضون. «فكيف ستستطيع الكهرباء عند هذه المستويات من الهدر تسديد السلفات إلى الخزينة، وبأي تاريخ ستعاد الاموال إذا كانت الفوترة في بعض المناطق متأخرة لعامين؟». من الناحية النظرية يبدو أن حصول الطاقة على سلفات خزينة لتأمين الفيول وزيادة الانتاج والتوزيع يصب في مصلحة المواطن ويحمله أعباء أقل بكثير مما يتكبده على المولدات. إلا انه «من الناحية العملية والتقييم المالي يظهر أن هذا الحل معجزة»، يضيف بيضون، و»انعكاساته ستكون خطيرة على سعر الصرف وموجودات مصرف لبنان. وهو ما سيؤدي إلى ارتفاع في تسعيرة الكهرباء عن 27 سنتاً، خصوصاً أن التعرفة مربوطة بسعر منصة صيرفة وسعر برميل النفط العالمي».

المقارنة بين السيئ والاسوأ

من الناحية العملية أيضاً تُعتبر زيادة التعرفة في ظل المستويات المرتفعة من الهدر هي «هدر إضافي أكبر بكثير»، يقول المهندس محمد بصبوص. و»هو ما يؤكد أن إهمال الاصلاحات الأساسية والجوهرية واستمرار معالجة مشاكل قطاع الكهرباء بالترقيع، لا يمكن اعتباره حلاً يعتمد عليه. ولا يرقى حتى إلى مستوى الانقاذ الطارئ كما يحولون تصوير زيادة التعرفة». وبرأي بصبوص «طرح وزارة الطاقة للأفكار نفسها بطرق مختلفة، سيوصل حتماً إلى النتجية نفسها. فهي تنطلق من تعرفة باهظة على المواطنين والاقتصاد بالاعتماد على مقارنتها مع تعرفة المولدات الاغلى. وبذلك تكون تقارن بين السيئ والاسوأ، من دون أن ننسى أن كلفة انتاج الكيلواط ساعة على الكهرباء لن تكون 27 سنتاً بل حوالى 60 سنتاً أقله إذا أخذت نسبة الهدر بعين الاعتبار. في المقابل فان كلفة الانتاج من مصادر الطاقة المتجددة لا تتجاوز 8 سنتات للكيلواط ساعة في أسوأ الاحال وهي قد تنخفض إلى ما بين 4 و6 سنتات مع التوسع بالانتاج. وبدلاً من أن تسهّل السياسات الطاقوية الانتقال إلى الطاقة الشمسية والهوائية على مستوى واسع، «عمدت إلى وضع شروط شبه تعجيزية للطاقة البديلة. ذلك رغم ادعاء القيمين عليها أنهم أرباب كل الطاقات، والبديلة منها تحديداً»، من وجهة نظر بصبوص، و»ذلك من خلال طلب الترخيص لتركيب الوحدات التي تقل عن 1.5 ميغاواط، واخذ موافقة المركز اللبناني لحفظ الطاقة، مع العلم أن المركز عبارة عن جمعية أهلية وليس مؤسسة رسمية. ووضع أسماء شركات محددة «محظية» لتركيب الانظمة التي سيمولها مصرف الاسكان على موقع الوزارة الرسمي. ما يوحي بان منطق الصفقات التي رأيناه في عشرات المشاريع، وليس آخرها «هوا عكار»، ما زال مستمراً، إن لم نقل مستفحلاً». أمام هذا الواقع يبدو ان المخرج من عنق زجاجة الازمة الكهربائية شبه مستحيل، فـ»المطلوب إغراقنا بأزمة لا حل لها والعيش بالحد الأدنى الحيوي»، برأي غسان بيضون. و»الحل الأقرب إلى التطبيق سيكون تمديد صفقة النفط العراقي بنفس الشروط، بعد أخذ الضو الاخضر الاميركي. والتمويل هذه المرة قد يكون من استعمال جزء من حقوق السحب الخاصة». فيما أسرع الحلول وأكثرها انتاجية بالمقارنة مع كلفتها المادية والبيئية، يتمثل في تسهيل وصول الغاز المصري إلى دير عمار والعمل على توسعة المعمل، أي بناء معمل ديرعمار 2 الذي يسمح بمضاعفة الاستفادة من الغاز المصري ورفع الطاقة الانتاجية من دير عمار وحده إلى حوالى 1000 ميغاواط.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here