سلامة يلعب آخر أوراقه

0

أنشئ مصرف لبنان في العام 1963، تناوب على حاكميته في غضون 30 عاماً 4 حكام: فيليب تقلا، الياس سركيس، ميشال خوري، إدمون نعيم ثم ميشال خوري مجدداً، الى أن تم تعيين رياض سلامة حاكماً في العام 1993. رياض سلامة ليس الأطول مدة لحاكم مصرف مركزي فحسب، بل منذ تعيينه حاكماً عام 1993 والى حين انتهاء ولايته في تموز 2023، سيوازي عمر سلامة في حاكمية المصرف نصف عمر المصرف نفسه منذ إنشائه.

لا ينافس رياض سلامة في الولاية المستدامة في «خدمة» الشأن العام سوى رئيس المجلس النيابي نبيه بري، ولعل تقاطع المدتين الزمنيتن ليس مجرد صدفة. تبدلت موازين قوى كثيرة في جمهورية ما بعد الطائف، شهدت البلاد تحولات عدة ولا تزال. تخللها احتمال اندلاع صراعات اهلية دموية ، الا ان ثابتين بقيا على الرغم من كل العواصف، الى حين تبدد الوهم: نبيه بري لا بديل عنه لادارة اللعبة البرلمانية ورياض سلامة لا بديل عنه لإدارة اللعبة النقدية.

لكن على قاعدة المقولة الشهيرة لمارك توين «الارقام لا تكذب، انما اولئك الذين يضعونها يكذبون». تمكن حاكم المصرف المركزي وعلى مدى 30 عاما من ولايته والى يومنا هذا من ضرب يده على صدره امام ارباب البلاد في كل أزمة مالية كانت تلوح في الافق، مقدماً الحلول لاستدامة النموذج المالي على ما هو عليه. نجاح تأجيل الانفجار وتأمين استدامة الوهم بعيداً عن السؤال حول كلفته، رفع سلامة من مرتبة الحاكم الى الاسطورة، حتى باتت الليرة وثباتها متصلة بثبات سلامة وحاكميته. في وثائقي للاعلامي جورج غانم عن مصرف لبنان بعنوان «الحاكم بأمر الليرة»، والذي يفرض في وجه اي مسافر على متن خطوط طيران الشرق الاوسط، يوحي العنوان لكثرة ما ربطت العملة باسم الحاكم الحالي، ان تسمية الوثائقي هي وصف لرياض سلامة وليس لوصف المصرف المركزي، وأن سلامة هو الحاكم بأمره في المصرف المركزي.

قد يجادل كثيرون في تقييم عهد تثبيت العملة، وإدمان استدانة الدولة، وتوظيف المصارف ودائع عملائها في مصرف لبنان طمعا بالفروقات الهائلة للفوائد التي استفاد منها اصحاب المصارف والمساهمون فيها. قد يقال الكثير عن جحم استفادة القلة القليلة ومراكمة ثروات هائلة، على حساب الكثرة التي كانت تدفع ثمن النموذج المالي الاقتصادي. لكن في الوفت نفسه ثمة من سيقول «كانت راكبة»، وكان اللبنانيون يتطبعون مع النموذج «المسخ»، ولو كان ذلك على حساب الجزء الاكبر منهم . إذ بناء على دراسة للاحصاء المركزي والبنك الدولي فان 55% من السكان كانوا يعيشون فقراً متعدد الأبعاد قبل اندلاع الازمة.

وكان لهذا النموذج تقييم سلبي على الرغم من ادعاء رعاته بانه النموذج الاقتصادي الحر والليبرالي الذي تغار منه ليبراليات العالم. تقييمه السلبي من قبل المؤسسات المالية الدولية التي حذرت دائما من خطورته وساهمت في الوقت عينه في تأمين بعض استدامته.

لكن السؤال اليوم وبعد ثلاثة اعوام على الانهيار وتبدد الوهم، وعلى الرغم من ضرورة محاسبة من كان أكثر المستفيدين منه وتحميلهم الجزء الاكبر من المساهمة والخسائر، هو حول اصرار وقدرة القيمين على النموذج وفي مقدمهم الحاكم بأمره، على فرض المقاربة نفسها، وضرب يده مجدداً على الصدر بأن الحل عنده. وكأن الرجل وقع في فخ اسطورته مهدداً البلاد برمتها بالوقوع في فخ من البؤس المستدام، متوهماً بأنه قادر على اعادة عقارب الساعة الى الوراء. ليعود ملكاً من ملوك عالم المال، يقرع جرس بورصة هنا ويتسلم جائزة عالمية هناك، يستطيع أن يبدد أكثر من مليارات دولارات الاحتياطي الالزامي لشراء وقت، بسلة دعم يسمح للحكومة بوضعها كشريك في الجريمة زد على ذلك الأمر في دعم سعر الليرة على ما يسمى المنصة. ثم يعلن عن عدم قدرته على الاستمرار في الدعم مع انخفاض السيولة محصناً نفسه بسردية يتولى من اشركهم في الجريمة، تقديمها بأن الدعم ساهم في تهريب الاموال، وكأن تتبع الفواتير الملغومة والمتلاعب فيها، لغز من ألغاز الآلهة. يراهن على وقت راهن عليه سابقاً ابان الهندسات المالية، ريثما تجد الطبقة الراعية له وغير الممانعة بتوجيه قواعدها الشعبية اصابع اللوم تجاهه، وقتاً وحيلاً كافية ريثما تصل يد العون سواء كان ذلك عبر ثروة غير مكتشفة أو اعاشات دولية.

يثبّت سعر الصرف في السوق السوداء، بجرعات من التعاميم كمن أدمن التثبيت حلاً، وكأن التثبيت جزء من هويته وارثه. حرص على نسف أول خطة مع صندوق النقد، تحت مسميات استقلالية المصرف المركزي، ويواجه تدقيقاً جنائياً بذرائع سرية مصرفية، وكأن التدقيق الجنائي أو المحاسبي في المصرف المركزي تعدٍّ على ملكه الخاص. ويتعاون مع خطة جديدة شرط استباق بنودها بخطوات احادية، من رفع سعر الصرف الرسمي بالتعاون مع زميله السابق والحالي يوسف الخليل، الى تعاميم تستبطن في داخلها كالتعميم 154اعادة هيكلة لقطاع مفلس، انما بشروطه ومقاربته. بعد 9 أشهر تنتهي ولاية حاكم المصرف المركزي لمصرف لبنان الذي بحوزته حالياً 9 مليارات دولار يستطيع شراء وقت لنفسه هذه المرة وليس للنموذج فحسب لتأمين خروج آمن من الحاكمية، يراهن عليها كآخر ما تبقى من إرث لثلاثين عاماً من اسطورة كتبها بنفسه، ومهما حاول عبثاً اعادة كتابة الرواية عبر جيش المتسلقين والمتزلفين. سيبقى رياض سلامة الحاكم الذي عاد في عهده الاعتبار لليرة يوماً، وانهار في عهده «الحاكم بأمر الليرة».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here