سوق الخُضر يُشعِل الخلاف بين بلديَّتَي بيروت والغبيري

0

478 متراً مربّعاً هي سبب الخلاف الدائر حالياً بين بلديتَي بيروت والغبيري، والذي اتّسع ليشمل نقابة تجار الخضر بالجملة في سوق الخُضر المركزي. الاتهامات المتبادلة بين الأطراف لا تخلو من كلام طائفي، وتهديدات، فيما تزخر اليوميات باستفزازات متواصلة عبر رمي الخُضر في الطرقات، أو الشكوى من عدم رفع النفايات.

لا يوجد أكثر من المستندات بين أيدي الأطراف المعنية بالخلاف على جزء من العقار4517 الذي تملكه بلدية بيروت، وتطالب بلدية الغبيري بمساحة منه، لأنه يعتدي على عقار تملكه الدولة وطالبت هي بتخصيصه يحمل الرقم 3016.

يتسلّح رئيس بلدية الغبيري معن الخليل بخريطة وإفادة عقارية، فتردّ بلدية بيروت بكتب ومراسلات وزارية، فيما تشكو نقابة سوق الخُضر من تعامل البلدية معها، نافيةً الاتهامات الموجّهة إليها بالتهديد أو برمي الخضر وإقفال الطرق. ولم تنجح الوساطات، ولا «الترويقة» التي أُقيمت في مكتب نقابة تجار السوق قبل نحو أسبوع على شرف الخليل، في طيّ صفحة الخلاف بين الطرفين وعدم تسرّبه إلى الإعلام بمختلف وسائطه. وما زاد «الطين بلة» كان مناشدة رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني مطلع الشهر الحالي وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسام المولوي طالباً الرجوع عن قرار تخصيص 1378 م2 من العقار 3016 العائدة ملكيته إلى الحكومة اللبنانية، وردّ رئيس بلدية الغبيري معن الخليل عليه بالإشارة إلى المغالطات التي يتضمّنها.

الغبيري: تخصيص وإفادة عقارية

تعود مصادر بلدية الغبيري إلى مطلع الثمانينيات، تاريخ نقل سوق الخُضر المركزي «مؤقتاً» من نفق سليم سلام إلى مكانه الحالي على العقار 3016 الذي تملكه الدولة اللبنانية ضمن نطاق بلدية الغبيري. حُدّدت مساحة السوق آنذاك بـ20 ألف متر مربع، ليتوسّع لاحقاً بطرق غير شرعية على مساحة تقارب الـ13,912 متراً مربعاً، متعدّياً على عقارات تعود ملكيتها الى بلديات بيروت والغبيري وحارة حريك والشياح، من خلال أسلوب «وضع اليد» الذي مارسه عدد محدود من التجار، هم أنفسهم أعضاء نقابة تجار السوق.

وفي عملية مسح عقاري حديثة أجرتها بلدية الغبيري، تبيّن لها أن العقار الرقم 4517، الذي تملكه بلدية بيروت، معتدٍ على العقار الرقم 3016 المحاذي له بمساحة 1378 متراً مربعاً، وقد استطاعت إثبات حقها به، إذ طلبت من وزارة المال تخصيص المساحة المعتدى عليها لإنشاء مَرأب للآليات والطوارئ، وقد وافقت الوزارة على الطلب وفق الأصول، وبالفعل تم تسجيل العقار باسم البلدية وفق إفادة عقارية صادرة في 6/10/2021 عن المديرية العامة للشؤون العقارية تحمل الرقم 4427. وفور صدور القرار تمكّنت البلدية من استرجاع مساحة 900 متر مربع فقط من أصل 1378 متراً وشيّدت فيها مَرأباً لآلياتها، وبقي منها 478 متراً داخل حرم السوق (يشغلها أحد أعضاء النقابة محمود عميرات). وكلما حاولت البلدية البدء بضم القسم الى المَرأب يواجَه عمّالها بالعرقلة وافتعال المشكلات على يد التجار ومناصريهم. على رغم من أن البلدية تملك تعهداً خطياً وقّعه عميرات وعضوان آخران من النقابة في 2/6/2021 يقضي بتسليم المساحة التي يشغلها كمعرض للبطيخ في تاريخ 15/10/2021.

بيروت: مطالبة بإلغاء التخصيص

يقول عضو بلدية بيروت عدنان عميرات إن “لدى بلدية بيروت المستندات الكافية لإثبات حقها بالمساحة التي وضعت بلدية الغبيري يدها عليها”، وطالب عميرات رئيس بلدية الغبيري بإثبات أن هناك مساحة محدّدة للسوق بـ الـ20 ألف متر مربع. مبرزاً كتاباً أرسله المحافظ إلى وزير الداخلية في 8 أيلول 2021، يطلب فيه إلغاء الموافقة على عقد التخصيص، معدّداً مجموعة من الأسباب منها أن “القطعة المطلوب تخصيصها لبلدية الغبيري تقتطع من واجهة السوق 23 متراً وتدخل في عمق أرضه مسافة 55 متراً، ما يشكل عائقاً يعطل هندسياً وبشكل جوهري أعمال توسيع السوق مستقبلاً، ما يستوجب معه إعادة القطعة الى حرم السوق”. ويُتبع عميرات الكتاب الأول بكتاب ثان وجّهه وزير الداخلية إلى وزير المال في 19 تشرين الأول 2021 يطلب فيه “العمل على إلغاء موافقة وزير الداخلية والبلديات على عقد التخصيص مع اقتراح النظر في إيداع وزارة الداخلية خريطة مفصّلة للعقار 3016/ الشياح تُبيّن الأقسام التي تمّ تخصيصها والجهة المخصّصة لها بغية تدارك أية ملفات تخصيص مكرّرة تؤدي إلى ازدواجية التخصيص مستقبلاً”.

عيتاني: الداخلية ألغت التخصيص

بدوره يؤكد رئيس بلدية بيروت جمال عيتاني أن بلدية الغبيري تطمع في قطعة من العقار المخصّص لبلدية بيروت، موضحاً أن الخليل كان قد أرسل كتاباً إلى وزير الداخلية السابق يطلب فيه تخصيص العقار وهو أصلاً مخصّص لبلدية بيروت، وأصدر الوزير السابق قراراً بالموافقة على التخصيص، إلا أنه لا يدخل حيّز التنفيذ لأن وزارة المال لم توقّعه. يومها، طلبنا من بلدية الغبيري أن تزيل التعدي إلا أنها رفضت، عندها طلبنا من وزير الداخلية إلغاء القرار، وقد صدر القرار عن الوزير الحالي بإلغاء التخصيص.

ويشير عيتاني إلى “لقاء قريب مع وزير الداخلية لتقريب وجهات النظر ما بين اليوم والغد وسنكون على طاولة واحدة لنحلّ الموضوع حبياً”. وأضاف أنه “إذا كان لدى رئيس بلدية الغبيري أي مشكلة أو رأي آخر فنحن تحت سقف القضاء والقانون وليقدّم كل واحد منا ما لديه”.

الخليل: إشغال بلدية بيروت مؤقّت

من جهته، يستغرب رئيس بلدية الغبيري الحديث عن لقاء قريب سيجمعه بوزير الداخلية وعيتاني، إذ لم يتواصل معه أحد، مؤكداً أن القضية لا تزال “مسكرة، والعقار الذي طلبنا تخصيصه هو ملك للدولة اللبنانية وليس لبلدية بيروت التي كانت قد طلبت في عام 1982 إشغالاً مؤقتاً لسنة واحدة فقط، وإن كان هناك تخصيص لبلدية بيروت فليبرز الدليل بأن هناك تخصيصاً بالقانون والنظام. أما نحن فلدينا إفادة عقارية تثبت هذا الأمر”.

كما يستغرب الخليل «حرص» عيتاني على هذه المساحة الصغيرة من أملاك بلدية بيروت، في حين أنها لم تفعل شيئاً لإلزام شركة «الورود العقارية»، بإزالة عشرات المخالفات والعشوائيات السكنية والتجارية من العقار 4517، الذي اشترته البلدية من الشركة بأربعين مليون دولار في ولاية رئيسها السابق بلال حمد في أيار 2015 بذريعة الحاجة إلى “تنفيذ مشاريع إنمائية طارئة”.

مخالفات في السوق المركزي

لا تقتصر المشكلة بين بلدية بيروت وبلدية الغبيري على جزء من العقار 4517، بل تطاول سوق الخُضر المركزي، الذي يشغل أحد أعضاء نقابته محمود عميرات مساحة الـ478 متراً مربعاً المتنازع عليها. وتشير مصادر بلدية الغبيري إلى مخالفات داخل السوق، تبدأ بتوظيف عدد كبير من العمال اللبنانيين والأجانب من دون تسجيلهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وعدم تأمين حقوقهم، ولا تنتهي بإحداث جبل من الخُضر والفواكه التالفة، وغير التالفة أحياناً، عند آخر السوق في محاذاة المباني السكنية المحيطة بهدف تحريض السكان على البلدية.

عملياً، لا ينكر التُّجار تعمّدهم تكديس النفايات في ذلك المكان تحديداً، ولا تنفي البلدية عدم سماحها للشركة التي تتولّى رفع النفايات «سيتي بلو» برفعها لسببين اثنين:

الأول، أن التجار قد أخلّوا بالاتفاق مع وزير البيئة ناصر ياسين في شأن فرز هذه النفايات قبل خروجها من المتاجر ورميها في المكان المخصّص لها للاستفادة منها في معمل «الكومبوست».

ـ الثاني، تخلّف التجار عن دفع الرسوم السنوية المستحقّة والتي يجب أن تبلغ بحسب البلدية ما يقارب الـ12 مليون ليرة، أي ما نسبته 8.5% من القيمة التأجيرية السنوية لكلّ محل داخل السوق، إذ يبلغ عددها نحو 180 محلاً وهي لا تدفع أي إيجار أو ضرائب أو رسوم، علماً أن إيجار المحل يُراوح بين 12 و20 مليون ليرة شهرياً، أما “خلوّه” فيتجاوز الـ500 ألف دولار أميركي. في حين تُصرّ النقابة على دفع مبلغ 1,500,000 ليرة فقط كان قد اتفق عليه عام 2016 عندما كان سعر صرف الدولار 1500 ليرة وكان سعر صفيحة المازوت لا يتجاوز الـ10 دولارات أميركية، ما دفع البلدية إلى الامتناع عن تلقّي مستحقاتها عن عام 2021، لأن كلفة رفع النفايات مسعّرة عليها بالدولار من قبل شركة «سيتي بلو» بما يفوق الـ110 دولارات أميركية للطن الواحد.

من جهتها، تردّ النقابة بأن الخُضر التالفة التي رُميت قبل أيام أمام باب السوق هي لمحالّ الخضر المحيطة والتي اعتاد أصحابها نقلَها إلى السوق ورميها في داخله. ويقول مصدر في النقابة إنه “بعد رفض الحرّاس فتح الأبواب لشاحنات النفايات بسبب تكدّسها في الداخل أقدم أصحابها على رميها خارجاً”. ويقول محامي النقابة رضا الخليل “إنَّ القانون لا يُلزم التجار بدفع أكثر من 250 ألف ليرة كرسوم سنوية للبلدية مقابل أن تقوم بواجباتها في رفع النفايات وغيرها من الخدمات، وقد بادرت بحسن نية إلى الاتفاق مع البلدية على زيادة هذا المبلغ إلى الـ1,500,000 ليرة عام 2016”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here