الأسعار قد تشهد تصحيحات قاسية
التفريط به كما الجمود ليس الحل
بعنوان “حماية أرباح الذهب: لأن المودعين أحقّ” كتب الأمين العام لجمعية المصارف الدكتور فادي خلف افتتاحية التقرير الشهري للجمعية عن شباط 2026، لفت فيها “عندما خسر لبنان من القيمة الدفترية لذهبه نحو 11 مليار دولار بين 29 كانون الثاني و2 شباط من هذا العام، نتيجة هبوط سعر الأونصة من 5600$ إلى 4400$، ارتفعت الأصوات بأن المودعين أحق. والسؤال المشروع اليوم هو: ماذا لو حصل تصحيح أكبر؟ وهل ينفع الندم بعد وقوعه؟
أمام لبنان فرصة استثنائية لإدارة أصل سيادي ثمين بطريقة تحمي قيمته وتحسن توظيف أثره المالي في خدمة المودعين والاقتصاد، خاصة أن الأسواق تعرف ما يسمى بالدورات
صعود، ثم تصحيح، ثم ركود، ثم صعود من جديد.
إذا قررنا إدخال الذهب في أي مقاربة للحل، فيجب أن ندخله “بعقل حماية الأرباح والاستفادة منها”.
لقد أحسن المجلس النيابي حين منع تسييل الذهب في مراحل حساسة من تاريخ لبنان. لكن تحويل الذهب إلى أصلٍ جامد خارج أي إدارة مالية محترفة قد يُفوّت على لبنان، فرصة حماية قيمة هذه الثروة في اللحظة المناسبة. لأن التفريط، كما الجمود، ليس الحل.
1- بالأرقام: الذهب يصعد… ثم يُصحّح
إنّ قراءة الذهب لا تكون فقط من زاوية القمة السعرية التي يبلغها، بل أيضًا من زاوية ما يلي تلك القمم من تصحيحات قد تكون عميقة وطويلة الأمد. وهذا ليس رأيًا، بل حقيقة تؤكدها دوراته التاريخية.
محطات تاريخية واضحة بعد القمم السعرية
كانون الأول 1974
القمة: 195$ للأونصة
القاع اللاحق: 100$
نسبة الهبوط: 48.72%
استعادة القمة: بعد 3 سنوات و3 أشهر (آذار 1978)
كانون الثاني 1980
القمة: 875$ للأونصة
القاع اللاحق: 252$ (آب 1999)
نسبة الهبوط: 71.2%
استعادة القمة: بعد 28 عاماً (كانون الثاني 2008)
أيلول 2011
القمة: 1920$ للأونصة
القاع اللاحق: 1046$ (كانون الأول 2015)
نسبة الهبوط: 45.5%
استعادة القمة: بعد 9 سنوات وشهرين (تمّوز 2020)
هذه الوقائع وحدها تكفي لتوضيح الفكرة الأساسية:
الذهب قد يرتفع بقوة، لكن تاريخه يتضمّن تصحيحات قاسية وطويلة.
لذلك، فإن الحديث عن التصحيح ليس تهويلًا، بل قراءة لدورات الذهب الذي يتحرك بحسب موجات تمتد لسنوات.
2- الذهب والأرباح الدفترية:
أين تقع المخاطرة الفعلية؟
في لبنان، النقاش لا يدور فقط حول الذهب بوصفه احتياطيًا سياديًا، بل أيضا حول قيمته كرافعة ضمن مقاربة مالية لمعالجة الأزمة.
وهنا لا بدّ من توضيح نقطة أساسية:
– قد يعتقد البعض أنّ هبوط سعر الذهب مجرد خسارة دفترية، لكنها في الواقع أرباح ضائعة.
– إذا كانت الأرقام تُبنى على قيمة مرتفعة للذهب، ثم دخل الذهب في تصحيح حاد، فإنّ صدقية الأرقام نفسها تهتزّ.
لهذا السبب تحديدًا، إنّ تعليق الآمال على قيمة الذهب من دون حماية أرباحه أو تحقيقها، يصبح مجرد رهانٍ على أصلٍ غير ثابت.
3- السيناريو الذي يجب أن يُفهم
إذا اعتُمدت قيمة الذهب — كمثال توضيحي فقط — على أساس 5600$ للأونصة (القمة المسجلة في كانون الثاني 2026)، ثمّ دخل الذهب في تصحيح ضمن نسب التصحيح التاريخية، تصبح الصورة على الشكل الآتي:
– تصحيح 30% ← السعر يهبط إلى نحو 3900$ للأونصة ← احتياطي الذهب إلى حوالى 36 مليار دولار.
– تصوّروا لو حصل تصحيح أقسى، 45.5% أو 71.2% كما في السابق.
هذه ليست أرقاما نظرية، بل سيناريوهات يجب أن تدخل في أي حسابات لخططٍ مستقبلية.
4- المطلوب ليس التفريط بالذهب…
المقصود ليس بيع الأصل، بل حماية أرباحه، من خلال أدوات مالية وعمليات بيع وشراء، ضمن حوكمة واضحة وشفافة:
– سياسات تحوط مسبق عبر أدوات مالية مناسبة (مثل الخيارات أو العقود الآجلة).
– إدارة نشطة لمركز الذهب بهدف حماية القيمة والاستفادة من التقلبات من دون المساس بالأصل.
– تحقيق جزء محسوب من الأرباح وتحويله إلى سيولة أو عوائد ضمن آلية عادلة تخدم المودعين.
5- التجربة العالمية
الممارسة العالمية في إدارة احتياطات الذهب لدى المصارف المركزية لا تقتصر على الشراء فقط، بل تشمل أيضا البيع التكتيكي وإعادة التوازن وإدارة المخاطر ضمن قواعد مهنية واضحة. فحتى في سنوات الشراء الصافي المرتفع عالميا، أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أنّ بعض المصارف المركزية قامت بعمليات بيع “تكتيكية ومحدودة” كجزء من الإدارة النشطة للاحتياطي، لا كخيار تصفية أو تفريط.
ومن الأمثلة الحديثة:
– المصرف المركزي الفلبيني الذي أكّد أنّ مبيعاته بين آذار وآب 2024 (نحو 30 طنًا) جاءت ضمن استراتيجية إدارة نشطة للاستفادة من ارتفاع الأسعار.
– مصرف كازاخستان الوطني نفّذ مبيعات شهرية خلال 2024 على خلفية تحسّن الأسعار.
– المصرف المركزي الروسي باع جزءًا من احتياطه في كانون الثاني 2026 مستفيدًا من بلوغ الذهب مستويات قياسية.
وعليه، فإنّ النقاش في لبنان لا يجب أن يكون بين “البيع” و “المنع المطلق”، بل بين تجميد أصل سيادي أسعاره متقلبة وإدارته مهنيا ضمن سقوف قانونية صارمة، وشفافية كاملة، وآليات تحوّط وحوكمة تحمي المصلحة الوطنية وحقوق المودعين.
6- الإدارة المهنية لاحتياطي الذهب
في كل دورة صعود، ترتفع التوقعات سريعا: اليوم يُقال 6000$، وغدا 7000$. وعند أول هبوط، يتحول الخطاب نفسه إلى خوفٍ مفرط. هذه ردود فعل بشرية مفهومة، لكنها لا تصلح أساسًا لسياسات وطنية.
هل ذهب لبنان محمي أم متروك لتقلبات السوق؟ من المفيد، عند البحث في هذا الموضوع، التفكير في مقاربة تفصل بين شقّين واضحين:
– شق احتياطي محمي بالكامل يُصان كركيزة سيادية.
– شق محدود ومدروس يُدار ضمن إطار مهني صارم لحماية القيمة وتحقيق منفعة تدريجية تصب في خدمة المودعين والاقتصاد.
وهنا بالذات، تكون المعادلة الصحيحة: لا بيع عشوائيا، ولا شللًا كاملاً، بل إدارة مهنية مسؤولة.
7- الذهب ودوره في الحلول
إذا تقرر إدخال الذهب ضمن أي حل، فالمعادلة الواقعية تفرض خطوات واضحة منذ البداية:
1- احتساب سيناريوهات تصحيح بحسب تاريخ تقلب سعر الذهب (30% و40% و50%) قبل بناء الأرقام، لا بعد وقوع التصحيح.
2- حماية الأرباح بأدوات تحوط واضحة وضمن حوكمة شفافة.
3- تخصيص جزء من الأرباح أو العوائد – عند تحققها – لمسار يخدم المودعين ضمن آلية قابلة للتنفيذ.
4- تكليف اختصاصيين دوليين في إدارة التحوط وإعادة التمركز، ضمن رقابة ومعايير مهنية واضحة.
الخلاصة
الذهب ثروة وطنية يجب أن تُدار، وحماية أرباح الذهب ضرورة لا بد منها كيلا نضيف، مرة أخرى، فرصة ضائعة إلى تاريخنا.



