تعزّز الولايات المتحدة الأميركية حضورها في ساحة النفط والغاز على مستوى عالمي، في مسعى واضح للسيطرة على السوق، وليس فقط توسيع استثماراتها. ومن فنزويلا إلى سوريا مروراً بتركيا، تضيِّق الولايات المتحدة السوق على روسيا وتطرح نفسها لاعباً أساسياً وشريكاً لدول الخليج في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الساحل الشرقي للبحر المتوسّط، باتت الولايات المتحدة ركناً لا يستهان به. فهي موجودة في مصر وإسرائيل وقبرص، وتحديداً عبر شركة “شيفرون” العملاقة. أمّا وصولها إلى الساحل السوري، فذلك يُطلق سيلاً من الأسئلة المتعلّقة بلبنان. فهل الولايات المتحدة مهتمّة بنفط لبنان وغازه؟ هل تجذب استثمارات التنقيب شركة شيفرون؟ ما مصير تحالف توتال، إيني وقطر للطاقة؟ ما مصير الثروة الكامنة تحت البحر؟ كيف سيُنهي لبنان وسوريا ملفّ حدودهما البحرية؟ والكثير من الأسئلة التي ليس لها إجابات جاهزة، لكنّها تُستَقى من مسار الأحداث السياسية وترجمتها باتفاقيات اقتصادية.
لبنان لا يزال بعيداً
يحاول لبنان تثبيت قدمه في ملعب الدول النفطية، لكنّ التحوّلات الدولية تسبقه. في حين أنّ أزمته السياسية الداخلية، تعيق التقدّم واللحاق بنتائج التحوّلات والاستفادة منها. ومنذ العام 2020 تخلص نتائج الحفر الاستكشافي الذي تقوده شركات توتال الفرنسية، إلى أن ليس هناك كميات تجارية من الغاز في البلوكين 4 و9. وذلك عزّز عدم قدرة لبنان على جذب الاستثمارات للقطاع.
في الوقت عينه، إنّ دخول شيفرون المتعدّدة الجنسيات على سوريا، يعمّق الأزمة اللبنانية، إذ يؤكّد ذلك أنّ سوريا باتت منافساً يسعى لتوظيف إنجازاته في ما يتعلّق بالاستقرار، من خلال التعاون مع شركات عملاقة وخبيرة في مجال النفط والغاز.
إلاّ أنّ لبنان لا يمكنه اللحاق بسوريا في الوقت الحالي، خصوصاً وأنّ الوضع الأمني الصعب هو عامل طرد للاستثمارات. وبالتالي، فإنّ غياب شركات عملاقة مثل شيفرون، عن البحر اللبناني، يعني أنّه لا يزال بعيداً من استثمار ثرواته. وذلك لا يقلّل من قيمة توتال وشركائها من ناحية الخبرة والكفاءة، إلاّ أنّ الثبات على كونسورتيوم واحد يدل على عدم اهتمام الشركات الدولية بالاستثمار في لبنان، في حين أنّ التهافت يعني المنافسة واختيار الأفضل، وهو دليل ثقة واستقرار. وللدخول الأميركي تحديداً على خط استكشاف الثروات اللبنانية، أهمية خاصة، لأنه يضع لبنان ضمن سلسلة الاستثمارات المحمية بغطاء أميركي في ظل التحوّلات الكبرى.
ولا يعني الدخول الأميركي على الخط، استبدال شركة توتال وشركائها، بل على العكس، يعني تكامل الأدوار وتوسيع دائرة العمل وتسريعه. إذ أنّ لبنان لديه 10 بلوكات ويمكن لأكثر من شركة العمل في مختلف البلوكات. والتنوّع يزيد من اهتمام الشركات بالاستثمار في لبنان.
السياسة الأميركية
وصول شيفرون وغيرها من الشركات إلى البحر اللبناني، لا ينفصل عن المتغيّرات السياسية التي تنهيها أميركا وفقاً لحساباتها. ودلّ المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، على ذلك خلال توقيع الشركة السورية للبترول، مذكرة تفاهم مع شركة شيفرون وشركة باور إنترناشونال القابضة القطرية، للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، في 4 شباط. فأكّد باراك أنّ “شيفرون تعد من أهم وأكبر الشركات التي تذهب حيثما تحرّكت السياسة الأميركية”، مؤكداً أن “هذه الشراكة تمثل خطوة تحويلية لرسم صورة جديدة لسوريا بعد سنوات من المعاناة”. وهذا يؤكّد أنّ الولايات المتحدة لا تزال تعتبر لبنان غير مستقرّ وغير آمن وليس جاذباً للاهتمام بالنسبة لها، ولا يستدعي توجيهها الشركات الأميركية نحوه.
ولجذب الاهتمام، يمكن للبنان اتخاذ الخطوة الأولى نحو الأميركيين والتقدّم بأفكار تساهم في لفت انتباههم، وعدم انتظار الوصول إلى حلّ نهائي على المستوى السياسي والأمني. فالخطوة الإيجابية يمكنها أن تستغلّ الاهتمام الأميركي، إن حصل، لتسريع الحل الأمني وإعادة الاستقرار إلى الجنوب تحديداً.
وفي هذا السياق، تؤكّد الخبيرة في مجال حوكمة النفط والغاز، لوري هايتايان، أنّه “يمكن للدولة اللبنانية الاستفادة من سعي الولايات المتحدة للسيطرة على أسواق النفط والغاز، وتقديم مشروع يجذب الأميركيين ويوجّه شركة شيفرون إلى لبنان، كما حصل في سوريا”. وتشير هايتايان في حديث لـ”المدن”، إلى أنّ “المسألة في المنطقة ليست اقتصادية خالصة، بل سياسية أيضاً، لأن أميركا لا تعاني نقصاً في النفط والغاز حتى تبحث فقط عن موارد في منطقة شرقي المتوسّط، وإنما تريد السيطرة على مسار النفط والغاز في هذه المنطقة. وهي بالتالي ليست بحاجة للبنان بالقدر الذي لبنان بحاجة لجذب الاهتمام الأميركي به”.
انطلاقاً من السياسة الأميركية، قد لا يجد لبنان الوقت الكافي لينجز ما يفترض فعله إذا بقيت الأمور الداخلية بهذه الوتيرة. وبحسب هايتايان “كلّما سرّعت شيفرون عملها في قبرص واسرائيل وسوريا، كلّما باتت أبعد عن لبنان. ولذلك على لبنان الإسراع في التوجّه نحو الأميركيين”. وهذا التوجّه، يفيد لبنان بتسريع ترسيم حدوده البحرية مع سوريا، وقد يكون مطلباً أميركياً لأنّ “شيفرون ستطلب تحديد المنطقة التي يفترض العمل بها، وهذا يعني ترسيم الحدود بين سوريا ولبنان”. وأيضاً يفيد بتحريك جمود شركة توتال التي لا تجد مَن ينافسها. ودخول شيفرون على خط التنقيب في لبنان “يعني وجود منافس جديد لتوتال”. والإيجابية التي سيعطيها وجود شيفرون “ستشجّع شركات أخرى على المجيء إلى لبنان، وقد تكون أصغر من شيفرون وتوتال، لكنّها تزيد المنافسة وتحرّك عملية التنقيب وصولاً إلى الاستخراج، عوض انتظار توتال لما لا يقلّ عن 3 إلى 5 سنوات، ولا أحد يعلم ما ستصبح عليه المنطقة خلال هذه المدّة”.
منطقة المتوسّط لا تنفصل عن التحوّلات السياسية في العالم، والتي تترجمها الولايات المتحدة باتفاقيات اقتصادية، وخصوصاً في مجال الطاقة. وبحسب الخريطة الأميركية، بات لبنان محاصراً من كل الجهات، حتّى في الخطوط الأبعد، أي نحو تركيا، إذ وقّعت شيفرون، في مطلع شباط الحالي، مذكرة تفاهم مع شركة البترول الوطنية التركية، ستعزّز الحضور التركي في مجال الطاقة في المنطقة. وعليه، يفقد لبنان رويداً، احتمالات استفادته اقتصادياً وسياسياً من الوجود الأميركي في المنطقة، والمتمثّل بشركة شيفرون.



